أفكاري هي أنا

إن عقلي كشجرة ليمون أرعاها أيّما ًرعاية، بماء الحياة أسقيها وبشمس المعرفة أغذيها وبتجاربي الغنية تنمو وتزهر، أنهل من سحائب الفكر مطراً يرويها، أصبر على رياح النقد كي لا أنكسر، تكبر شجرتي وتشمخ لأنني اعتنيت بها كثيراً وهي لا تثمر إلا بعد جهد وصبر..

ولذا فأفكاري كثمار الليمون، جاءت بعد اهتمام وقناعات صارمة، تستطيع أن تستشفي بها، تصنع منها عصيراً، تضيف نكهة إلى ذائقتك، تجمعها لتستفيد منها، تأخذ بذورها لتزرع بدورك شجرة في عقلك، قد يعجبك لونها وشكلها فتقرر أن تزرع مثلها ولكن شجرة برتقال أو كمثرى، قد يلذعك الطعم أحياناً فتفيق من قناعة ما، ربما لا تحب طعمها فلك أن تتجاهلها لكن لا تهاجمها..

ولأنني حارس هذه الشجرة، قدمت ثمارها لك بطيب خاطر، فلا تتذوقها راضياً ثم ترميها بالحجارة والأحذية، ستتساقط ثماري أكثر فيلتقطها المارة، فلا تجلب فأسك لتجتثها، ولا تجمع مناصريك لتشنقوا قناعاتٍ على جذعها أو تحرقوا أصلها، سأقاتل في سبيلها، وسأرمي في أعينكم عصيرها الحامض، وسأموت من أجلها..

أفكاري هي ثماري، عقلي هو شجرتي، لا تفصل بيننا، إن هاجمتها فقد هاجمتني، إن أسأت لها فقد أسأت لي، إن أحببتها فلك ظلها وحفيف أوراقها وبديع ثمرها، لك أن تكرهها ومن الأفضل أن تشيح بنظرك في كل مرة يقودك الطريق بمحاذاتها..

نجمتان وأمواج وشُرفة ..

بطل الفيلم يجلس على شرفة أنيقة في كوخٍ أبيض مطل على البحر، لا شيء سوى السكينة تحملها أصوات الأمواج، قمرٌ يغتر بنوره، ونجمتان بالأعلى إحداهما تتغزل بالأخرى فتومض هي في خجل، أطالع هذا المشهد مخاطباً نفسي في صخب، متى ستتاح لي فرصة كهذه ؟!

متأملاً الأمواج والأنجم، لا مبالياً، متحداً مع الهدوء ويكاد المارّ لا يشعر بوجودي البتة..

أريد أن أجرب الخروج من ذاتي، أخلع ردائي البشري المثقل بلا شيء، أنفض عن عاتق روحي ما التصق بها من عوالق الحياة، ذكريات من حزن وفرح واشتياق وذبول، وأحلام تلتصق بي أكثر تخشى أن أنزعها فأنساها، يغمض جسدي عينيه فأطير عنه، أراقبه من علو خشية استيقاظه فأعود بلمحة بصرٍ إليه، أذهب مطمئناً إلى ملتقى الأرواح عند أليفتي شاعراً بالتحرر والانتماء و.. الحب..

تنتهي ليلتي هناك، وينتهى المشهد، عاد البطل من شرفته لداخل الكوخ مبتسماً متعجباً من تغزلي بنجمتي، خفت صوت الأمواج، صمت الهدوء، أشرقت شمس الحياة وأنا في سباقٍ إلى جسدي أحمل ذكرى لن أتذكرها عني حالما أستيقظ..

واقع.. حلم.. كابوس..

كنت أعتقد أن الواقع والأحلام هما عالمان موازيان، إلى أن شاهدت الواقع يحضر في أحلامي والأحلام تعكس واقعي فأيقنت بأنهما عالمان متداخلان متقاطعان بل وعالماً واحداً..

الأمر يشبه اللون البرتقالي، الواقع الأصفر مع الأحلام الحمراء يجتمعان ويتداخلان، تظهر لنا من الخارج برتقالية، بينما من الداخل صراع محتدم، واقعٌ يتمنى أن يكون أكثر بهجةً وإشراقاً، وكوابيس تغزو الأحلام فتزيدها قتامة..

دعوني أحدثكم عن أسوأ كوابيسي التي بالمقابل هي واقعي الذي أتشبث به بضراوة، بينما في كوابيسي أواجه خطر الموت اختناقاً أو غرقاً أو سقوطاً من علو ألف طابق، وأبرز صدري متحدياً الموت بألف قطع كما كانوا يعذبون أسراهم في نيبون القديمة، وأعتنق الظلام ومخلوقاته وأحادثهم وأسامرهم، اعتدت على عوالم الرعب حتى باتت جزءاً مني، إلا إنني ويا للمفارقة أخاف الوحدة، أحلم بكوني أعيش وحيداً في مدينة نائية، لا أحد يستمع لي، ولا أحد يأبه لوجودي، أحادث الجدران والقطط، ويسمع نحيبي الصامت جرذ يشفق علي من مغبة التنظيف اليومي فيسرق بقايا طعامي الماسخ، يلقي علي نظرة حزينة ويعود ليحكي لعائلته الممتدة عن أهمية البقاء معاً وإلا باتوا وحيدين مثلي..

أما في الواقع فأنا أدمنت الوحدة، الحديث إلى أفكاري والاستماع لها، عقدنا هدنة منذ قررت كتابتها لتتحرر، وكأنها ترد لي الجميل فتقترب مني وتصادقني، بعد أن كانت سجينة وأنا السجان، متلازمة ستوكهولم التي تجعل المخطوف يتعاطف مع الخاطف، أحببت أفكاري وأحبتني وصرنا نختلس الأوقات لنعيش عزلة تحفها الموسيقى وننسجم مع ذبذباتها لنصل إلى نيرفانا مثيرة تنتهي بأن أكتبها وتُقبّلني بعدها وتبتسم وتلوح لي وهي موقنة بالعودة ما أن أجد فراغاً في جدولي المزدحم لأستدعيها..

لماذا أحب الوحدة في واقعي وأخشاها حد الموت في كوابيسي ؟!

لماذا انفصل اللون الأصفر عن الأحمر ؟!

هل واقعي حلم ؟!

وكابوسي هو الواقع الفعلي ؟!

هل أنا وحيد بالفعل وأرتدي اللون البرتقالي الذي يرتديه المحكومون بالإعدام في انتظار لحظة الرحيل ؟!

سأغمض عيني الآن وأتخيل ..

بأي لون سأعود ..

مراقب

ها أنذا في مناسبة زواج، ذات الابتسامة الجامدة على وجهي، أحادث أناساً لا أتذكر أسمائهم وأهز رأسي معهم في حماس بانتظار نهاية المشهد الذي سيتكرر معي في كل جلسة عزاء، اجتماع عمل، أو رحلة عائلية..

أتحدث وأوثق بالصور وأنشر في مواقع التواصل الاجتماعي لأعود لاحقاً لمنزلي أشاهد كل ما حدث وأستمتع وكأنني أشاهد فيلماً لأول مرة وكأن شخصاً غيري هو من قام بالعمل ..

أجدت في الحياة دور المراقب، ألعب هذا الدور بجسدي الماكث في مكانه لا يتزحزح، أستنشق المتعة من الهواء وأكتنزها ولا أطلقها للعلن، عقلي يحلل ما تنقله له عينيّ ويحول الصور إلى كلمات مكتوبة تختزن في عقلي الباطن لحين الحاجة، وأظن أن ذلك من تأثير القراءة والمشاهدة المستمرة للأفلام..

رأيت أكثر مما عشت في عوالم الكتب والسينما، تخيلت نفسي مكانهم، عند بحيرة في آلاسكا متجمد الاطراف أصيد السمك من حفرة، على ضفاف نهر أمازوني أترقب سهماً مخدراً يخترقني فأستيقظ في قدر مغلي، مع جيش طاغية أجبر شعبه على القتال ليغذي طموحاته التوسعية، جالساً في مقهي أحتسى كاكاواً ساخنا بالمارشيميللو أراقب المطر في ليلة خريفية قبيل الشتاء..

ابحثوا عني في الحفلات، في صالات المغادرة، في قاعة انتظار في مستشفى، منزوياً أراقب من حولي، أسجل ملاحظاتي، أغوص في عقلي الباطن، وأكتب..

فوضى عقل

لا أحد ولا شيء يشبهني أكثر من مكتبتي ولابتوبي وجوالي، هي التجسيد المطلق لما يدور في عقلي من فوضى، كتب وملفات مكتبتي تحتاج لتصفية وفهرسة، مئات (المجلدات الجديدة) وآلاف المقاطع والصور والكتب والمستندات في لابتوبي تحتاج لفلترة صارمة حيث يعود بعضها لبداية القرن، وآلاف الصور ومئات المشاريع والكتب والمقالات والمواقع أيضاً في جوالي ترتجيني لأن ألقي عليها نظرة..

هكذا يعمل عقلي، كأنه في دوامة من الأفكار والمشاهد التي تدور أحداثها في مليار سنة من عمر الأرض، تجدني حيناً في الماضي وحيناً في المستقبل وحيناً على قيد الواقع وأحياناً في ممالك الخيال، أنسى كثيراً أنني موظف ومعلم، ولولا صياح أطفالي ونداءاتهم لي لأرى ما يصنعون لنسيت أنني أب، وأتذكر أنني متزوج حينما أرى الجانب الأنثوي في منزلي الذي أنسى أيضاً أنني اسكنه..

توقي للترتيب والتنميق وحرصي على التخطيط المستمر والتدوين هو نداء لا ينقطع من روحي لعقلي أنِ انتظِم، تأجيلي للأعمال راكمها كدعوات المساكين على الظلمة يحملونها أوزاراً مثقلة يوم الحساب، أعيش في 2013 في عالم الأفلام والمسلسلات وفي 2002 في ذوق الأغاني وفي 1996 في رواق كتب التراث والدين وفي عام 2010 لآخر الأعمال الروائية، ولكم أن تتخيلوا ما فاتني وأنا أؤجل بسبب كثرتها، صار الإحساس بالمتعة أقل بل هو للواجب أقرب، صرت ميالاً للتخلص من كل شيء لأزيح الضغط من رأسي، فقدت (هارد ديسكاً) سقط على الأرض قبل شهرين وكانت ملامحي وقتها أقرب لملاكم روسي، بلا أدنى تعبير يذكر، وكأنني ارتحت إلى حد ما..

تنتابني رغبة أحياناً لتدمير كل شيء، جمعها جميعاً في عقلي وإضرام النار فيها، لا بأس بإلقاء قليل من الذكريات معها وكثير من العلاقات التي لا نفع لها سوى استنزافي كذبيحة معلقة ذات عيد يتأملها أطفال يتلذذون بالمنظر كما يفعلون وهم يعذبون القطط الضالة..

هل الكتّاب مثلنا ؟!

أكتب السطر الأول، أنشغل بمحادثة افتراضية تستهلك عشرات الدقائق ومئات من الأسطر التي تركت مكانها المفترض تحت السطر الأول وقادها فضولها نحو المحادثة لتختلط أحرفها وتنتج كلمات لا علاقة بها بفكرة النص الأساسية..

لطالما تخيلت كبار الكتاب لا يصابون بالزكام، لا يذهبون منتصف الظهيرة إلى منطقة (الورش) لإصلاح تكييف السيارة، ولا يتكدر يومهم لهزيمة فريقهم المفضل، يستجلبون المعاني من السماء والتشبيهات من الطبيعة والكلمات من الضياء، يمضون يومهم يحتسون أقداحاً ساخنة متكئين على كراسيهم الوثيرة يقرأون كتاباً ما لأديب يعيش في الطرف الآخر من الكرة الأرضية..

أعيش هذه المشاعر حينما أكتب نصاً جديداً، كأس الشاي البارد يتحول إلى ينبوع لا ينضب من القهوة الكولومبية، لهو أطفالي أمامي مشهد سريالي لأسطورة قديمة حينما كانوا يرقصون للمطر، التنبيهات التي لا تنتهي في هاتفي هي رسائل من الكون البعيد تدعوني لإنقاذ شعب مضطهد في كوكب ما غزاه آكلو الكواكب، والحائط أمامي نص فارغ ينتظرني لأملؤه..