المقتاتون..

(1)

يجري وكأنه يطارد الموت لئلا يسبقه إليه، يعلم بأن مطارديه بطيئو الحركة لكنهم عازمون على اللحاق به مهما كلف الأمر، إنها هوايتهم المفضلة والتي مارسوها لقرون، وجد أمامه بيتًا صغيرًا لا تتبين ملامحه من قتامة الضباب الذي اجتاح المكان وكأنه يهيئ مسرح قصة مرعبة ينتظرها الجمهور بشغف خلف الستار ويعقدون أصابعهم في توتر مصطنع ويستدعون الأدرينالين ليبث الحماس المزيف في عروقهم، يعرف هذا البيت جيدًا، بيت جيرانهم الذي هجروه منذ أن كان طفلًا، لطالما كان يخيفه وهو يمر به. عائدًا من المدرسة قبل أن يصل إلى باب بيتهم.

كان يمشي حينها بصورة طبيعية إلى أن يرى أطلال المنزل فيرفع ثوبه إلى فمه ويضع كتب المدرسة بداخل الثوب وينطلق مسرعًا لئلا يخرج عليه مسخ من ذلك المنزل الذي يكاد يقسم أن قبيلة كاملة من المسوخ والعفاريت تستوطنه ولا تخشى الخروج نهارًا.

قطع سيل ذكرياته وتردد لحظة أمام المنزل ولكن لا مفر من دخوله قبل قدومهم، لا مفر حتى وإن كان يهرب من الموت إليه، فيبدو بأن الموت فاز بالسباق، كعادته..

***

(2)

بدأ الأمر قبل سويعات حينما وصله رد على بريده الالكتروني على رسالة أرسلها قبل عام تقريبا، كان يستفسر عن مراجع تهتم بالتنبؤات predictions، كان مهووسا بفكرة أن يرى المستقبل ويتنبأ باحداثه كما فعل (نوستراديموس) في رباعياته التي تنبأ فيها بأحداث كثيرة منها الثورة الفرنسية والحربين العالميتين قبل قرون من حدوثها.

إقرأ المزيد

وأن يجمعنا كرسي حديقة

السبت ليلا..

بقي شخص وحيد يراقب اللاشيء حوله، سكون تام وكأن الأرض قررت النوم بمن فيها عداه، وددت مواساته لكنني من حديد ومساميري تثبتني في المكان كي لا أهرب وأترك الناس بلا مقعد يأوون إليه حين التعب، وكأنه حكم علي أن أعوض أحضان الأحبة والأمهات والقطط. سأنام وليفعل هذا الشخص ما يشاء. إن كان حزينا أكثر من اللازم وقرر إنهاء حياته فستجد الغربان ما تأكله في الصباح، كذلك الأسماك إن رمى نفسه في البحر، المهم ألا أتلطخ بالدماء، ستترك أثرها على جسدي ولن يعيد طلائي مسؤولو الحديقة فهم بخلاء جدًا إلا حين زيارة شخص مهم..

الأحد صباحا..

لا يوجد دم على جسدي، والغربان ما تزال نائمة، والبحر هادئ، ربما قرر ذلك الشخص الرحيل ألى منزله بهدوء، سيجدونه معلقا في مروحة أو فاقد الحياة في مغطس.

أعرف هذه الأشكال جيدًا، سيكون صباحا هادئا بلا مشاكل إلا إن قررت القطط الضالة مطاردة بعضها أسفل مني أو رمتني الغربان والنوارس بدائها وانسلت، تعلمون ما أقصد فأنا لم أتعلم كيفية التعبير عن الأفعال القبيحة بعد.

الاثنين ظهرا..

إقرأ المزيد

جذور نفسية يابسة..

-أنا يا دكتور سئمت، أشعر بالجفاف في أعماقي، كأنني شجرة تؤول إلى السقوط، فكرت في الانتحار مرارًا لكنه صعب، تحرشت بأحد المشايخ المعالجين لعله يخلصني من شقائي لكن اتضح لي أنه مجرد مدعٍ، أتصدق أنه تم اتهامي بأمور لا حصر لها، هل هذا ذنبي لأنني أحببتها؟!

-لا عليك، تدرب فقط على التمارين السلوكية التي حدثتك عنها، وعد فقط من البداية واحك لي بهدوء ما يجول في خاطرك الآن، هذه جلسة علاج نفسية سلوكية نحاول فيها تحسين مزاجك والوصول لجذور المشكلة، متى راودتك هذه المشاعر لأول مرة؟!

-امممم دعني أتذكر، ربما عندما رأيتها للوهلة الأولى، شعرت بفراشات محترقة ترفرف بداخلي، كنت قد تجاوزت ألم قصة حب سابقة مع ابنة الجيران، أباها كان طاغيا وكاد أن يبيعني لساحر، أنا لا أستحق هذا يا دكتور، أريد أن أعيش في سلام لما تبقى من حياتي إن لم يتسن لي الانتحار والخروج من هذه الدائرة، كدت أفقد الأمل بالحياة لكن شيئا ما في هالتها جذبني كالمغناطيس، شعور لذيذ ولا يصدق، لكن ما حصل بعدها هو ما آلمني..

-ماذا حدث بعدها؟! هنا مساحة آمنة لك لا تخش شيئا، أنا مختص في هذه الأمور كما تعلم وعالجت الكثير من أمثالك، أكمل فضلًا..

-حسنًا سأخبرك لكن لا تحكم علي، أتعلم أنهم اتهموني بأنني السبب في كل شيء، نحولها، نظرتها الفارغة للسقف، عزلتها، تمتماتها الغريبة وشخبطات قلمها في الكراسة، عزوفها عن الزواج، وتسوس ضرسها الرابع أسفل الفك الأيمن، كوابيسها التي توقظ بسببها كل من في المنزل، حتى خراب الراديو الذي يصدح بسورة البقرة اتهموني به، انا لست مؤذيا، أقسم بأنني لا أريد سوى أن تبادلني المشاعر، هل هذا صعب؟!

-الحب ليس بالإجبار يا صديقي، لا أود مقاطعتك، أكمل..

-فقط أريد أن أحضنها ولو مرة، لا أن أمسها فقط من هالتها التي لا تقاوم، سأحضر لها حجرًا من القمر، ونبيذًا عصرته حوريات البحر، وجوهرة الجواهر من كنز مدفون في أغارثا، سأدللها، ونعيش بين الأبعاد، وسأصنع منها أميرة يتغنى بها كل الشعوب إلى أبد الآبدين..

-لحظة، المعذرة انتهى الوقت، هل تأتيني بعد أسبوع لنكمل، اذهب للاستقبال وحدث بياناتك وخذ التوصية الدوائية ولا تنس التمارين السلوكية التي علمتك إياها، اتفقنا، وأرجوك لا تنتحر إلى أن نلتقي ونجد حلًا مناسبًا..

-(يتنهد بحرقة ويكاد الهواء الخارج منه يشعل الأجواء)، حسنا يا دكتور، على الموعد..

***

(في استقبال العيادة)

-نعم يا سيد عاشق، هذه كل الإرشادات المطلوبة منك إلى موعد العيادة القادم، هل لي فقط أن أتأكد من اسمك الأول مجددًا..

-حسناً، اسمي تجده في أول حرف من كل كلمة في عنوان القصة أعلاه..

***

حفلة في رأسي..

دفوف وطبول وصوت كأنه ثلاثة عشر غرابًا يحتضر، إن الذي أقنع هذه المطربة بأن صوتها يصلح للاستهلاك الآدمي فهو يستحق الشنق بحبل غسيل مهترئ، يزداد الصوت وينخفض وكأن أحدهم وضع عند أذني جهاز التحكم عن بعد، أود الاستيقاظ بشدة لكن جسدي وعينيّ لا يطاوعاني رغم أنني واعٍ كشخص عاد من غيبوية عميقة، ألم يجد الجيران موعدًا لطقوس فرحهم إلا آخر الليل؟!

لم أعد أحتمل فخرجت متثاقلًا إلى صالة المنزل، الجميع نائمون، لطالما حسدت الأشخاص الذين ينامون بعمق وسط العواصف والحروب وعتاب الأحبة ومدرس يشرح درسًا مملًا بحماس لا يلاحظه أحد، كيف لا يسمعون هذا النعيق المتواصل المبتهج وكأنها حفلة عزاء؟!

فكرت في الخروج إلى الشارع وتقديم شكوى للجيران لعلهم ينهون هذه الليلة بسلام قبل أن أرتكب جريمة ثم أبلغ الشرطة، فلن أذهب للشرطة وأنا أعاني من صمم جزئي؟!

الشارع هادئ كأفكار شخص يدعي السعادة، إضاءة خافتة متقطعة من عمود الإنارة الذي يسبق وجوده كل البيوت في حيّنا، السيّارات نائمة، البيوت جاثمة على صدر الشارع، والحيوانات في سبات عميق، وليس هناك صوت يحتفل من بيت الجيران، لعلهم شعروا بالخجل من إيقاظ نصف سكان الكرة الأرضية، أولم يجدوا غير ساعات السحر ليحتفلوا؟!

صعدت للمنزل، مع كل درجة أخطوها للأعلى يعود الصوت، هل كانوا في استراحة عندما كنت بالشارع، ولكن لم يكن هناك زحام سيارات المنتظرين المعتاد، أحاول أن أميز الأغنيات التي أسمعها بقليل من التركيز لكن لا فائدة، اللحن معروف وشعبي ومزعج لكن الكلمات يتهيأ لي أنها بالعربية لكنها ليست كذلك، هل هو زفاف للمتحدثين بالأمهرية أو الأمازيغية أو لهجة عربية لا نفهمها، سأستبعد العبرية فليس هناك يهود في حارتنا وإن كان بعض الجيران لو انتقل لدولة الكيان الصهيوني لتعوذوا منه..

عدت إلى الشارع مجددًاً، هدوء تام، عدت أدراجي إلى درج المنزل، يزداد الصوت مع كل درجة أصعدها، دخلت المنزل فإذا بالحفلة تزداد صخبًا في رأسي، هل أنا أتوهم؟! أيقظت كل من بالمنزل لأسألهم إن كانوا يسمعون شيئا فلعل هناك من نسي هاتفه أو جهاز الكمبيوتر على مقطع حفلة موسيقية من الجحيم، استنكروا فعلتي بإيقاظهم من نوم يأكلون فيه أرزًا بالحليب في السماء وإجبارهم على أن يعودوا للأرض ويستيقظون على منظر شعري المنكوش ونظارتي السميكة وسؤالي السخيف: هل تسمعون صوت الحفلة؟!

مرّ عامان على هذه الحادثة، حواسي معطلة، صداع لا ينتهي، شرود في الفراغ، لم أترك طبيبا مختصًا أو شخصًا روحانيًا لم أسأله عن حالتي، كل الأشعات لأذني سليمة، وكذلك كل التشخيصات النفسية والعقلية وليس هناك آثار سحر أو عمل بالمنزل، لو كان هناك عيادة تنزع الأصوات من عقلي كما ينزعون الأسنان لتوجهت إليهم، لم أعد أسمع شيئًا يذكر عدا الحفلة، كل حواراتي تنتهي بهز الرأس أو طلبي ممن يحاورني بالكتابة حتى أفهم، بدأت أميز بعض الأصوات في الحفلة وأتعلم لغتهم، هناك من يقول لي بأنني ممسوس أو أن جنية عاشقة قررت الزواج مني وهم يحتفلون منذ وقتها، لا أعلم أي جنية محترمة تقبل بي وسط هذه الحياة الصاخبة داخل وخارج رأسي، ليس لي مجال سوى التقبل، أوليس يقال إن لم تستطع المقاومة، فحاول الاستمتاع على الأقل، إن علمتم عن حل لمعضلتي فأخبروني وأعدكم بألا أدعوكم لهذه الحفلة..

ما يحدث في حارتنا، يبقى في حارتنا..

توسطّا المشهد الترابي، الألوان باهتة عدا وريقات خضراء تنبت هنا وهناك تحت (مكيفات) المنازل التي تحيط بساحة المعركة، يرتديان ملابس عدد ثقوبها يعبر عن مرات العودة من السقوط وكأنها ندبات محارب. تحت أقدامهما عُلب (نيدو) صدئة ملأى لأعلاها بالغنائم الزجاجية الملونة، أخرجا حفنة بقدر ما استطاعت أيديهما الصغيرة حَملهُ من (البرجون – marble) أو ما نسميه في لهجتنا المحلية (حَلي) ولعله من الحُليّ، نظرات التحدي في أعينهما تنبئان بالكثير لكنهما تتفقان في ضرورة العودة بعلبة غنائم (أيضًا صدئة) أو خسارة كل شي، وكأنهما في منتصف مشهد حلبة قمار في مونت كارلو وفيجاس حيث كل شيء مباح ولسان حالهما يقول:

Win it all or lose it all

يجتمع حولهما أطفال الحارة وبعض كبارها يراقبون دائرة المنتصف حيث ترتص الكرات الزجاجية الصغيرة لتكوّن خيطًا أضاف الألوان إلى المشهد الصاخب، وبين أيديهما كُرات أكبر منها موحدة اللون وتُسمى (كبّوري) وتُكنى حسب لونها (صفوري) أو (زروقي) أو (حموري) في لمحة ساخرة لمنح أسماء مدللة لكيانات مدمرة لمثيلاتها، إنها لعبة تشبه البولينج أو البلياردو ولكن على صعيد أصغر، وقفا بتحدٍ رافعان البنطال لحدود الركبة ومتخذان وضعية الرامي فيغمضان عينًا ويفتحان الأخرى لأقصى تركيز ويحاولان اقتناص الفرصة برمي أكبر ما لديهما من أسلحة (كبورية) ليمزقا تناسق ذلك الخط الملون من الكُرات منتظرين بلوغ أي كرة صغيرة لحدود الدائرة وتتجاوزها لكي يعلن الانتصار، ولسان حال الحاضرين لهذا المشهد هو: من منهما سيعود بالغنائم؟!..

وسم..

لم تكن في منزلنا مصدرًا للسعادة فحسب، بل كانت فردًا حقيقيًا من العائلة، تشاركنا الأفراح والأسرار والذكريات وإن كان تعبير وجهها واحدا لا يتغير، لكن تفضحها عيناها إذا اتسعتا..نَهَرت أمي أخي يومًا إذ عَمِدَ لوسمها خلف اذنها بملعقة ساخنة تاركًا شكل هلال مكتئب ومواءً خائفًا لا يشبه أي شيء سمعته من قبل، فانزوت تحت دولاب قديم وامتنعت عن الطعام والشراب وكأن صدمة الموقف أفقدتها ملامح وجهها الجامدة واتساع عينيها فصارت أشبه بمومياء نسي الطريق إلى الجانب الآخر من الموت..

مرت أيامًا معدودات علينا وبعدها لا شيء، لا شيء تحت الدولاب، ولا في المطبخ، ولا في الغرف، لم نترك شبرًا في البيت غير مقلوب، بحثنا حتى في أضيق الأماكن التي لا تخطر على بال حشرة، ولم نترك مكانًا بالحي لم نبحث فيه عنها، لا شيء، اختفت قطتنا الأليفة، غابت كتلة القطن الناصعة عن المكان، وغابت حلاوة المكان معها..

مرّ شهر أشبه بعام، عدنا لهواتفنا التي لم نكن لنفتحها إلا لالتقاط صورها وتوثيق حركاتها الطفولية عندما تتمدد على الأرض احتجاجًا منتظرة أحدنا ليمسح على جسدها ويراضيها أو عندما تتثاءب كأنها شبل صغير يقلد والده وينتظر الزئير ليهدر المكان بحضوره..

خرجت مع أخي بعدها للحي المجاور نبحث عن مكان يبيع الفرح، كان يطالع المحلات وكأنه يتابع ألبوم ذكريات لعائلة لا يعرفها، وفجأة صاح ولوّح بيديه في وجهي “القطة، القطة، هناك”، توقفت وعدنا أدراجنا لذلك المحل، دخل كالمجنون يبحث عن منفذ إليها ليأخذها، وأنا واقف أعتذر بشدة لصاحب المحل عن هذا الاقتحام، أحضرها بين يديه وهو يقول، “قطتنا يا أخي، انظر خلف أذنها، هذا ذات الوسم الذي وسمته إياها يوم نهرتني أمي، وجدتها”، أشفقت عليه، توسلت لصاحب المحل أن يبيعها منا رغم تعجبه، وأخذناها إلى السيارة وسط فرحة أخي الهستيرية ودموعه التي لم تكف عن الهطول، نظرت إليهما وقلبي يعتصر، كانت هي بالتأكيد قطتنا بكل ما كان فيها، ولكن (محنطة)..

جريمة لا تغتفر..

وبعد الاطلاع على الأحداث بتجرد، وقيام الجانيان عن سابق إصرار وترصد بالإضرار بعلاقة مقدسة، وحيث أنهما تجاهلا صوت الروح وسلمّا الأمر للإيجو، فإننا نحكم بما يلي:

المجني عليه: علاقة عميقة لم تكن لتنتهي

الجاني: طرفي العلاقة

الجريمة: موت بطيء للعلاقة

سلاح الجريمة: الإهمال

ظروف الجريمة: الوقت تكفل بذلك

الحكم: تحجب السعادة عن كليهما لأجل غير مسمى

حيثيات الحكم: إن تعلم كلاهما الدروس سيعاد تقييم الحكم

تم تصديق الحكم بشمع أحمر متقد وتعليقه على قلبيهما لحين انقضاء المدة..

قاضي الأرواح المتآلفة

في قهوة ع المفرق

اللون الذي يكتسي عينيك يشبه قهوة صباحي، حتى وإن قبّلتْ عينيك الشمسُ في ظهيرة كهذه سأرى لمحة لبقايا كاراميل مخفية في العالم الداكن الذي يسكن بداخلها، عميقة نظراتك وتذكرني بيوم سقطت في فضاء قديم يشبه العوالم الأولى والضحكة الأولى والرشفة الأولى، الأولويات التي لم تفارق ذاكرتي المهترئة بينما أنا هنا أحاول أن أتذكر اللحظة الأولى التي رأيتك بها، عيناك تحاولان إخباري، وتموج البخار من كوبي يتمايل ويمتزج بطيفك، هل أنت حقيقة أم ذكرى تمردت من بقايا أحلام بائدة وأطلال حياة غابرة عبرت من خلالي، هل أنت تلك العينين، أم أن قهوتي تتلاعب مشاعري؟!

برغم كل ما قاسيته وكل ما تناسيته، ورغم صوت فيروز وهي تغني (تخلص الدنيى. ومافي غيرك يا وطني) وأنا عالق وأحاول التقاط أي ذكرى تعطي الأمان لعقلي الذي يشتكي من فقدان الذاكرة المؤقت، أي ذكرى عابرة يتشبث بها عقلي ولو كانت لأشخاص لا أعرفهم كمن هم أمامي يتهامسون ويتساءلون عن سر حديثي معك، ويكاد يقتلهم الفضول وهم يرونني أحادث كوب قهوة يتصاعد بخاره للسماء ولا يعود، كذكرياتي التي نست نفسها وصعدت هناك معتقدة أنها أمنيات أنهت مهمتها، كرائحتك التي تشبه الصباح وفيروز والحياة..

سئمت التظاهر بأنني توقفت عن حبك، والنسيان الذي ينتزعك من مروجي زهرة زهرة إلى أن أصبح قاحلا عاجزا عن استرجاعك، لا سواها القهوة تعيدك إليّ، رشفة من عينيك وأخرى من مبسمك وثالثة من روحك والرابط الأثيري الذي ما زال يجمعنا، أعتصر ذهني لئلا تهربي من كوبي الذي يحمل تفاصيلك وسط سائل داكن، وبينما يحادثني شخص ما يحمل على صدره شارة بها اسمه وكلمة باريستا: ” أرجو أن قهوتنا الجديدة يا أستاذي قد أعجبتك فهي من مزرعتنا في جبال فيفا، قهوة سعودية فاخرة”..
هنا عرفت السر، فهذه القهوة أصبحت وطني، ففيها رائحتك وعينيك، وبقايا كاراميل خفية لا يراها سواي..

رسائل مني إليّ..

إلى وليد

بتاريخ 15/5/1978

يومان قبل ولادتي

“أمامك حياة حافلة، لا تثق جِدًا، أو تعطي جِدًا، أو تتفائل جِدًا، فتحزن جِدًا جِدًا جِدًا.. توازن وتعلّم وتطوّر ما استطعت..”

إلى وليد

بعد خمسة أعوام من وفاتي

“قلت لك، لن يتذكرك من أفنيت وقتك لإرضائهم، لن تشفع لك اختياراتك، لن يرضوا عنك وإن صببت العسل في أفواههم، لن يرحمك سوى من نفخ النور فيك، لكن يكفيك أنك تركت أثرًا يُروى خلفك..”

إلى وليد

في العالم الموازي

الطبيب الذي انفصل عني ورفض قرار استسلامي واستمر في مفترق الطريق

“لو كنت فقط أعلم الوصفة التي ساعدتك للاستمرار، ربما كنت مثلك، ولكنني كنت سأفقدني حينها، فحلم الطبيب الذي فقدته أرشدني لأحلام عدّة ومواقف عدّة وذكريات لا حصر لها، شكرًا لأنك لم تستسلم وأصبحت طبيبًا، وشكرًا لأنني لم أستسلم وأصبحت أنا..”

إلى وليد

بطل الرواية التي كتبها أحدهم فاعتقدت أنني شخص حقيقي

” مرهق أن نقفز عبر الصفحات نبحث عن منفذ إلى العالم، في كل مرة تفادينا رغبة الكاتب في اغتيالنا أو تحويلنا إلى شهداء ليُثبت صحة قناعاته عن التضحية، كُنا تتملص بين الأسطر، نحمل خيوط العوالم بين أيدينا نفرزها لنعود إلى خيط حياتنا الحقيقية، علينا أن نعود قبل أن تنتهي الرواية وتُطوى الصفحات ويُوضع الكتاب في مكتبة لا يزورها أحد”

الفتى الذي أراد أن يسرق قوس المطر

(1)

الحادية عشرة ظهرًا، الشمس أشاحت بوجهها لليوم السادس على التوالي، تشرق ولا يراها، نورها يترك أثره في جنبات النهار لكن لا أثر لها في السماء التي تارة تختبئ خلف ستارة كثيفة من الغبار وتارة تفتح أبوابها لمطر منهمر، ولا أثر للشمس، ولا لقوس المطر..

رأى الشمس قبل أيام بوجه أبيض، سأل معلمه عن ذلك “أليست الشمس صفراء يا معلمي؟!”، بدد المعلم حيرته بقوله: “الشمس بيضاء يا (نائل)، كل النجوم كذلك، وما نراه في السماء من تدرج للون الشمس بين الأصفر والبرتقالي والأحمر هو بسبب الغلاف الجوي، تماما كما نرى البحر بدرجات لونٍ أزرق والسماء زرقاء، ولولا ذلك لما ميزنا خط الأفق بين السماء والبحر”، أقنعه كلام معلمه خاصة وأن القمر يعكس نور الشمس، وكما نرى القمر أبيضًا لنتذكر أنه مرآة تعكس الشمس إلينا ليلًا كي لا نتوه في الظلام..

إحدى عشرة دقيقة مرت وما زال يرقب الشمس خلف زخات المطر الذي بدأت وتيرة سرعته تخف تدريجيًا، ولليوم السادس على التوالي يبحث عن قوس المطر ولا جديد تحت الشمس، نادته شقيقته الصغيرة (نيروز):

-(نائل)، أنا حزينة، لا أستطيع أن أرسم المزرعة..

ألقى نظرة على ما رسمته، على الألوان الشمعية التي استحالت كتلًا رمادية بلا ملامح، على منظر أمه على فراش المرض وبجوارها قناني الأدوية التي فقدت ملامحها فلا يدري أيُّها للسعال وأيُّها للقولون، حتى هاتفه المحمول شاه منظره وفقد معه حماسته لتصفح منشورات أصدقائه وأخبار العالم من حوله، النافذة المطلّة من بيتهم الريفي على مزرعة والده الراحل تعطيه إحساسًا كئيبًا بالوحدة والموت، أينما أرسل نظراته لا يجد سوى درجات الرمادي، فالألوان غابت عن الوجود يوم اختفى قوس المطر..

اقتربت (نيروز) واحتضنت يد (نائل) قائلة:

-(نائل) أنا حزينة جدا، من الذي سرق الألوان؟!

أجابها بكل حسم وهو يرتدي درعًا خفيًا من المسؤولية والبطولة:

-سأكتشف ذلك اللغز المحير، وكما سُرق قوس المطر فسأسرقه وأحضره إليك لتكملي رسمتك وتتناول أمي دواءها..

بابتسامة واسعة وعينين لامعتين كأنها اكتشفت سرًّا كونيًا:

-(نائل)، أخبرني الأقزام بأن في نهاية قوس المطر جرة ملأى بالذهب، أحضرها معك كي أشتري حلوى وشوكلاتة وألوانًا جديدة، أرجوك (نائل)..

ضحك على خيالها الواسع، ووضع يده على رأسها:

-بالتأكيد أميرتي الصغيرة، سأحضر الجرة والأقزام وقوس المطر ولو اضطر الأمر لسرقتها جميعًا..

عاد إلى مكانه بجوار النافذة ومكث برهة يستعد ذهنيًا لقراره ويراقب نزول قطرات المطر ويتخيل أنه قطرة ناضجة قررت الرحيل من منزل السحابة التي احتضنته وأرادت تحقيق هدفها الأسمى من الحياة وتساهم في إحياء الأرض..

إقرأ المزيد