أبو الاقتراحات..

وحتى لا يختلط الأمر عليك عزيزي القارئ فهذا لقب أطلق عليّ تهكما في فترة مراهقتي وليست نوعا من الشتائم على غرار “أبو ال …. على أبو ال…..” 

بدأت القصة بمراهق عادي طبيعي قد يرى -بشكل لا واعي- بأن التفكير والتحليل للأمور يساعد على تطوير المجال أو المكان، فيبدأ بسرد اقتراحات قد تكون ساذجة طبقًا للمرحلة العمرية التي عاشها، ويتم اقتراح هذه الأفكار على مسؤول مباشر أو مسؤول تنفيذي فيتم تجاهلها تمامًا، والغريب أن نفس الأفكار تأتي من أشخاص آخرين فيتم تقبلها، مما يساعد على غرس الفكرة في هذا المراهق أن المشكلة فيه وليس فيهم، ويتوقف عن إبداء أي ملاحظات أو اقتراحات مهما كانت مهمة لفترة طويلة من شبابه..

توقفي عن إبداء الاقتراحات لم يكن نهائيا، توقفت فقط عن طرحها للآخرين ولكنني طبقتها في محيطي بما أستطيع سواء في الفصل الدراسي أو الفرقة الكشفية أو حتى محيطي الصغير مما سبب رواجا واسعا لها وجعل هذه التجارب تتداول في الأوساط القريبة بل وتأييدها من معظم المسؤولين، وهنا عادت لي الرغبة في إبداء الاقتراحات للمجتمع وأعادت ذات المواقف نفسها، كل اقتراح كنت أسلمه لمسؤول يتم تجاهله فاضطررت لتقديمها عن طريق صديق أو مجموعة تتسم بالقبول الاجتماعي ليتم طرحها ومناقشتها لكنني سألت ذاتي بعدها: لماذا يحدث لي هذا؟! 

عدت للاقتراحات في وسائل التواصل وأدخلت فيها تجارب عالمية خضتها ولعل وعسى تنال القبول والتنفيذ – وبعضها نفذ بحمد الله بعد أعوام حتى لو لم ينسب لي أحدها لكن لا بأس فالمهم أن الفكرة نفذت في الواقع – ولكنني توقفت عند نقطة معينة جوهرية وهي أنني كلما التفتت لذاتي ومحيطي ونفذت ما أرى كلما نجحت التجربة وكلما التفتت للخارج منتظرا التقدير أو الاعتراف بالفضل كلما خابت التوقعات واصطدمت بعوائق لا حصر لها وهنا كان لزاما علي أن أتعلم الدرس..

لا يمكن تجاهل حقيقة أن المسؤول وإن قال أبوابنا مفتوحة  فهو يتعامل بشكل رسمي فلن يقبل منك اقتراحا بدون توثيق وصياغة وتخطيط وهنا أتحدث عن المسؤول الواعي، هذا غير صناديق الاقتراحات الممتلئة بالشكاوى والمناديل والعلك الممضوغ وغير التغريدات المهملة والطلبات المعلقة والردود المعلبة، لكن المسؤول غير الواعي والمريض بالمنصب والمهووس بالمزايا سيخشى الكثير من الأمور ومنها أن يتم زوال ماهو عليه، لكنه يظل جزءا من منظومة مجتمعية تهتم بالـ (مَن ؟!) بدلًا من (كيف؟!)، يهمها رأي العالم والشيخ والتاجر والدكتور والأكاديمي والشاعر والمدير مهما كان سخيفا، وتتجاهل الفكرة إن صدرت عن شخص لا يعرفونه، والأمثلة كثيرة، وهذا ليس شيئا سلبيًا وأنا أتحدث بلسان الكثير، وهناك العديد من الأفكار نفذت سواء تطبيقات أو شركات أو مبادرات عن طريق أصحابها المغامرين لأنهم وجدوا أن الطريق مقفل أمامهم مالم يمسكوا بزمام الأمر وينفذوا رؤيتهم بأنفسهم لكن هذه الرفاهية والشجاعة لا تتاح للجميع.. 

الفكرة التي أود إيصالها:

نفذ اقتراحك في مجتمعك، أو وثقه وارفعه بشكل رسمي، أو كن جزءًا من مجموعة تساعدك على تنفيذ أفكارك بنجاح وادعم أفكارهم كذلك، حتى لا تصل لمرحلة يتغير لقبك فيها من أبو الاقتراحات إلى شخص يشتم الحال في قلبه “أبو الاقتراحات على أبو ال…. على أبو ال…..”..

‏⁧‫هكذا أحببت القراءة


‬⁩
‏(1)
‏كطفل في الثمانينات الميلادية كانت بداية شغفي للقراءة من هنا
‏مجلة ماجد الإماراتية من مكتبة الحربي شارع فيصل في جيزان
‏ثم تعطشت للمزيد وتعرفت على مجلات سمير وميكي من مصر وبعدها مجلة باسم السعودية

‏(2)
‏لاحقًا في المرحلة المتوسطة وتحديدًا بعد حرب الخليج في التسعينات تعرفت على عوالم القصص والروايات الشبابية بداية من قصص ألف ليلة وليلة ثم المكتبة الخضراء ثم سلاسل المغامرون الخمسة والشياطين ال13 التي كانت تخطف أنفاسي

إقرأ المزيد

حوار لم يحدث.. (فضفضة عن مدينة جيزان)

لو كانت للحماسة رائحة عبر الشاشات لشممتها من حديثه معي طوال ساعتين توقفنا فيها فقط بضع دقائق لتلبية الحاجات البيولوجية المعتادة ..
انتقل مع عائلته إلى جدة بعد حرب الخليج مباشرة وانقطعت علاقتهم بحيهم القديم والجيران، درس إلى أن وصل للماجسيتر في الهندسة من الولايات المتحدة وستنتهي غربته قريباً ويعود بعد أن حصل على فرصة عمل في أحد الشركات الكبرى في المنطقة..
تعرفت عليه مؤخراً عن طريق صديق مشترك في الفيسبوك وبدأ يسألني بنهم حتى أحسست بشعور مدافعي الفرق الصغيرة وهم يتلقون الهجمة تلو الهجمة من فريق يريد ضمان تحقيق الدوري إن فاز في هذه المباراة..
-حدثني عن جيزان البلد، حارة الصعايدة وحارة الكواكية والمسطاح وحارة الزرارية والدوارية ومسجد عباس عقيل وبقالة همام وشارع فيصل وصيدلية عزيز واستريو الأطلال والسوق الداخلي و….
-رويدك رويدك، اممم تقريباً كما هم ما عدا أن همام أصبح سوبرماركت واستريو الأطلال اختفى على ما أعتقد.. بقية الحارات موجودة لكن التركيبة السكانية اختلفت، نزحوا شمالاً للأحياء الجديدة وفقدت الأحياء القديمة رونقها..
-يا للحسرة وددت لو أنني سكنت في بيتنا القديم وأذهب منه إلى الشركة كل صباح..
-لا أفضل لك ذلك، عندما تأتي سترى بعينك الفرق، لقد تطورت جيزان كثيراً على الصعيد الحضاري والتجاري ولكن …
-ولكن ماذا ؟!
-لا عليك مجرد مشاكل بسيطة لا تختلف عن مشاكل بقية المدن..
-أخبرني بالله عليك، لقد تعلمت أن أفضل وسيلة للتأقلم في البيئات الجديدة هي أن أعرف كل شيء عنها، عندما بحثت في محرك البحث لم تتعد النتائج الأخبار الرسمية عن الحد الجنوبي والمهرجانات وصور المسؤولين هنا وهناك ومقتطفات من المحافظات..
لمحت نقاشات بسيطة في تويتر وانتقادات لكن من يرى ليس كمن يسمع ..
-انتقادات كماذا مثلاً ؟!
-يعني.. الدوار القديم عند مطعم النورس سابقاً وسوق شمس، تحول لجسر ثم عاد لكبري ثم .. لقد أصبت بالدوار، أيضا المستشفى الذي هدم بسبب احتراقه أم أنه لم يهدم، هل بنوا غيره ؟!
أصدقني القول، أحب أن أشارك مجتمعي، هل ترى لو أنني وكلت محامي ليتابع هذه القضايا بالنيابة عنكم، هل سيتقبل المجتمع ذلك خاصة أن خروج والدي كان لخلاف كبير بينه وبين مسؤول سابق..
-أنا عاجز عن الرد حقيقة، جزء مني يقول أن تصرفك هذا مثالي ويجب أن أدعمك، والجزء الآخر يلح علي بأن أثنيك عن ذلك وأحثك على ممارسة حياتك الطبيعية والتميز في عملك..
-ولكن للمجتمع حق علي وعليك وعلى الجميع، لماذا لا يجتمع مجموعة ويطالبون بكل الخدمات، الوعي تغير ولا بد أن تطلب الحق لتناله ولا تكتفي بالنقد في وسائل التواصل..
-……..
-ما بالك صمتت فجأة ؟! هل ضايقتك؟!
-لا.. تذكرت فقط نظافة المرافق السياحية ومقر مستشفى النساء والولادة والمستشفى التخصصي اللذان توقفتا وتوزيع المدارس داخل الأحياء ولجنة التنمية الوحيدة في المدينة والشوارع المهترئة والزحام الذي لا ينتهي في الشارع الوحيد الذي يربط الشرق بالغرب وصكوك الأراضي المتوقفة ومنح الضاحية التي حرمنا منها والمتسلقين على جهود الآخرين هذا غير صراع الأقران وحسد الزملاء وتبجيل الغريب وقلة أدب بعض المغتربين و..و..
-مهلاً مهلاً وكأني نكأت جرحاً بل جروحاً.. هل تريد أن تتحدث بهدوء وتشرح لي..
-أنا في حيرة مرة أخرى، هل أحكي لك أم أنصحك بالبحث عن وجهة أخرى أو التأقلم على الموجود ؟! ..
-لماذا لا تسجلون مطالبكم إذاً وترفعونها للحاكم الإداري وبقية المسؤولين ؟!
-صدقني .. حاولنا .. وهم يعلمون .. ويكفي إلى هنا .. سأنتظرك وسنكمل حديثنا في أي مطعم تختاره حينما تصل.
-مطعم شعبي بلا أدنى شك.. اشتقت كثيراً لطعم الطفولة ..

إقرأ المزيد

نقاط تحول قبل الأربعين

 

تاريخ الكتابة 17/5/2017

(الجزء الأول)

عامٌ تبقى على الأربعين، سن الرشد والحكمة والاستفادة من التجارب الماضية..
لا أستطيع وصف نفسي بالشخص الناجح، ذلك لأن النجاح أمر نسبي ويخص الفرد مباشرة، بعيداً عن ضغوطات المجتمع ومفهومهم للنجاح الذي قد يرتبط بالثروة أو المنصب أو الشهرة كمعيار للنجاح..
هنا سأسرد حلقات بسيطة من ذكرياتي، نقاط تحول كان لها الأثر العظيم..
معوقات تغلبت عليها وتغلبت علي ونجاحات أخرى قد يقرأها أحدكم وتحيي فيه روح التحدي والإرادة بعد توفيق الله..

إقرأ المزيد

أفريكانو

بحكم التخصص والمشاهدة المستمرة للأفلام والمسلسلات تمكنت من تمييز العديد من لكنات اللغة الإنجليزية، سيبدو لكم واضحاً الفرق بين اللكنتين البريطانية والأميركية لكن سيصعب أن تفرقوا بين الكندية والنيويوركية مثلاً وبين لهجة ولايات المسيسيبي وتكساس وبين الويلزية واللندنية وبين الاسكتلندية والايرلندية وبين الاسترالية والنيوزيلانية وهلم جرّا..

يتأثر الكثير من الناطقين باللغة الإنجليزية بلغاتهم الأم، لاحظوا لكنات الهنود والصينيين والفليبينيين والعرب والفرنسيين واللاتينيين والروس على سبيل المثال وستواجهون صعوبة في فهمهم في البداية إلى أن تتعودوا عليهم..

إقرأ المزيد

القاتل الذي أحبني

اخترت طبيباً لأتابع معه حالتي الصحية، كان اختياري موفقاً إلى حد بعيد، الطبيب الذي يحلم به المرضى، الذي يسأل عن كل شيء ويناقش ويجيب على أسئلة المريض التي لا تنتهي ويحرص على سلامته ولا يعطيه تحاليل أو فحوصات فوق طاقته وأزيد على ذلك أنه يبتسم..

في الزيارة الأولى اليوم كان علي أن أدعم نفسي إلى حصولي على تقرير شامل يفيد بحاجتي للعلاج حتى أرفعه للملحقية الثقافية في كوالالمبور ليصدروا لي ضماناً صحياً يسدد عني كافة التكاليف في لفتة يندر أن تقدمها الدول لمواطنيها في الغربة..

إقرأ المزيد

الحلاق الذي عرفني على آسيا

يكاد يكون عرفاً – لا يشذ معه إلا القليل – كون صالون الحلاقة هو مقر الأعمال غير المنجزة والرسائل غير المقروءة والمجلات القديمة ومتابعة مباريات فرق لا نعرف عنها شيئاً سوى الحماس الحذر من الحلاق خشية أن يجتث خصلة شعر أو يجرح ذقن أحدهم..

يقوم الحلاق مقام حكواتي المدينة في المدن الصغيرة إن كان من أهلها، ومندوب سياحة على مستوى عال إن كان مغترباً فيصور لك بلاده كأنها جنة الأرض ولعل لحنينه إليها دور في هذا الشعور..

إقرأ المزيد

موتوسيكلات تحت المطر

في طريقنا إلى الجامعة مساء الأمس، هطل المطر شديداً كالطوفان، ربما نحن من شعرنا بأنه كذلك بينما الماليزيون عدّوه نزهة لطيفة اعتادوا عليها، ما أحزننا هو لجوء بعض سائقي وراكبي الموتوسيكلات تحت الجسور انتظاراً لانتهاء السحب من صبّ أحزانها عليهم فيعودون للطريق وملابسهم تتقاطر وتحتاج لعشرة شموس كي تبخر الماء الذي التصق بها..

إقرأ المزيد

نيويورك.. نيويورك..

كما تغنيها ليزا مانيلي في الفيلم الشهير بنفس العنوان (New York New York) مع روبرت دينيرو وقبلها غناها الأسطورة فريد استير، يا لها من مدينة..

هذه زيارتي الخامسة لها، حفظت شوارعها من أفلام سبايدرمان والعراب وفي كل مرة أرى وجهاً متجدداً لها كأنها شخصية خالدة لا تموت، أجيال تلو أجيال عاشت فيها وغادرتها وهي لمّا تشيخ بعد، رغم حزنها على المهاجرين الذين تم نبذهم على شواطئها في القرنين الماضيين، وبرجا التجارة الذين انهارا بفعل فاعل، وتنازع المافيا الايطالية والايرلندية عليها لكنها صمدت، هذه التفاحة الكبيرة كما يسميها أهلها تستقبل في أحضانها كل الأطياف رغم قسوة الظروف، وأتحدى أن تجد مدينة في العالم مثلها تصلّي بكل لغات الأرض..

إقرأ المزيد