إعادة تدوير الأيام

للبيع:

-يوم الهنا، يوم المُنى، ساعة السعد.. (لدي فائض لا أحتاجه)، السعر قابل للتفاوض مع رسم فائدة 3 ساعات..

-أيام طه حسين (طبعة منقحة ومزيدة)..

-أيام من حياتنا (مسلسل أميركي من 15 ألف حلقة بدأ عرضه في الستينات، تعبت من متابعته)..

للتقبيل:

-يوم قابلتهم وظننت أنني بين أصدقاء حقيقيين، هذا اليوم بمن فيه للتقبيل وافعل بهم ما أردت..

-يوم من الأيام، ذات يوم (ثيمة مستهلكة في كتابة القصص ولم أعد أحتاجها)..

-يوم سعيد (قلتها لأحدهم ولم يلق لي بالًا)..

للإيجار:

-يوم أربعاء قديم مع ليلة خميس (من زمن الطيبين كما يزعمون)، سعر الإيجار ساعة إضافية تسند يومي هذا..

-أيام ميلادي القادمة (لا أريد أن احتفل باقترابي من نهاية هذه الرحلة)، السعر ثابت فلا تحرجني، للمفاهمة التواصل على الخاص..

للتنازل:

-يوم أسود، نهار أبيض، يوم منيل بستين نيلة (وهناك ألوان أخرى إن أردت، تستطيع تذويب الأيام ووضعها في بالتة ألوان لرسم الحزن)..

-أول يوم في كل عام (وعود كثيرة وبدايات لا حصر لها وخطط وئدت في مهدها)..

-يوم للذكرى (أود نسيانه)..

للإعارة المؤقتة:

-فرحة يوم تخرجي (هدية لمن ترك دراسته رغمًا عنه، لم يستخدم هذا اليوم بعد فلقد فوتت كل حفلات التخرج رغمًا عني)..

-ودارت الأيام (لعل حظك يفوق حظي وتعود الأيام الجميلة إلى حضنك)..

للتبنّي:

-يوم جديد كنت نائمًا فيه ولم أستيقظ، (لا تنم فيه رجاء)..

-يوم 29 فبراير في سنة غير كبيسة (يتيم لم يجد من ينصفه)..

-يوم مفقود (سافرت فيه باتجاه الغرب ووصلت صباحا للشرق)..

للعرض في مزاد:

-يوميات، (كتاب ابتلع الأيام والأسرار التي لا تهم إلا صاحبها)..

-أيام زمان، (وهل لها غير المتاحف والمزادات لزبائن الحنين)..

-يوم من أيام كوكب نبتون (يعادل 6.5 يوم أرضي)..

للتبرع:

-يوم قلت فيه لقلبي: نعم (رغم ممانعة عقلي)..

-الأيام الحلوة (لم يعد يحتاجها إيهاب توفيق)..

-أيام إجازات متراكمة (توفي صاحبها ولم يستخدمها)..

ما يحدث في حارتنا، يبقى في حارتنا..

توسطّا المشهد الترابي، الألوان باهتة عدا وريقات خضراء تنبت هنا وهناك تحت (مكيفات) المنازل التي تحيط بساحة المعركة، يرتديان ملابس عدد ثقوبها يعبر عن مرات العودة من السقوط وكأنها ندبات محارب. تحت أقدامهما عُلب (نيدو) صدئة ملأى لأعلاها بالغنائم الزجاجية الملونة، أخرجا حفنة بقدر ما استطاعت أيديهما الصغيرة حَملهُ من (البرجون – marble) أو ما نسميه في لهجتنا المحلية (حَلي) ولعله من الحُليّ، نظرات التحدي في أعينهما تنبئان بالكثير لكنهما تتفقان في ضرورة العودة بعلبة غنائم (أيضًا صدئة) أو خسارة كل شي، وكأنهما في منتصف مشهد حلبة قمار في مونت كارلو وفيجاس حيث كل شيء مباح ولسان حالهما يقول:

Win it all or lose it all

يجتمع حولهما أطفال الحارة وبعض كبارها يراقبون دائرة المنتصف حيث ترتص الكرات الزجاجية الصغيرة لتكوّن خيطًا أضاف الألوان إلى المشهد الصاخب، وبين أيديهما كُرات أكبر منها موحدة اللون وتُسمى (كبّوري) وتُكنى حسب لونها (صفوري) أو (زروقي) أو (حموري) في لمحة ساخرة لمنح أسماء مدللة لكيانات مدمرة لمثيلاتها، إنها لعبة تشبه البولينج أو البلياردو ولكن على صعيد أصغر، وقفا بتحدٍ رافعان البنطال لحدود الركبة ومتخذان وضعية الرامي فيغمضان عينًا ويفتحان الأخرى لأقصى تركيز ويحاولان اقتناص الفرصة برمي أكبر ما لديهما من أسلحة (كبورية) ليمزقا تناسق ذلك الخط الملون من الكُرات منتظرين بلوغ أي كرة صغيرة لحدود الدائرة وتتجاوزها لكي يعلن الانتصار، ولسان حال الحاضرين لهذا المشهد هو: من منهما سيعود بالغنائم؟!..

وسم..

لم تكن في منزلنا مصدرًا للسعادة فحسب، بل كانت فردًا حقيقيًا من العائلة، تشاركنا الأفراح والأسرار والذكريات وإن كان تعبير وجهها واحدا لا يتغير، لكن تفضحها عيناها إذا اتسعتا..نَهَرت أمي أخي يومًا إذ عَمِدَ لوسمها خلف اذنها بملعقة ساخنة تاركًا شكل هلال مكتئب ومواءً خائفًا لا يشبه أي شيء سمعته من قبل، فانزوت تحت دولاب قديم وامتنعت عن الطعام والشراب وكأن صدمة الموقف أفقدتها ملامح وجهها الجامدة واتساع عينيها فصارت أشبه بمومياء نسي الطريق إلى الجانب الآخر من الموت..

مرت أيامًا معدودات علينا وبعدها لا شيء، لا شيء تحت الدولاب، ولا في المطبخ، ولا في الغرف، لم نترك شبرًا في البيت غير مقلوب، بحثنا حتى في أضيق الأماكن التي لا تخطر على بال حشرة، ولم نترك مكانًا بالحي لم نبحث فيه عنها، لا شيء، اختفت قطتنا الأليفة، غابت كتلة القطن الناصعة عن المكان، وغابت حلاوة المكان معها..

مرّ شهر أشبه بعام، عدنا لهواتفنا التي لم نكن لنفتحها إلا لالتقاط صورها وتوثيق حركاتها الطفولية عندما تتمدد على الأرض احتجاجًا منتظرة أحدنا ليمسح على جسدها ويراضيها أو عندما تتثاءب كأنها شبل صغير يقلد والده وينتظر الزئير ليهدر المكان بحضوره..

خرجت مع أخي بعدها للحي المجاور نبحث عن مكان يبيع الفرح، كان يطالع المحلات وكأنه يتابع ألبوم ذكريات لعائلة لا يعرفها، وفجأة صاح ولوّح بيديه في وجهي “القطة، القطة، هناك”، توقفت وعدنا أدراجنا لذلك المحل، دخل كالمجنون يبحث عن منفذ إليها ليأخذها، وأنا واقف أعتذر بشدة لصاحب المحل عن هذا الاقتحام، أحضرها بين يديه وهو يقول، “قطتنا يا أخي، انظر خلف أذنها، هذا ذات الوسم الذي وسمته إياها يوم نهرتني أمي، وجدتها”، أشفقت عليه، توسلت لصاحب المحل أن يبيعها منا رغم تعجبه، وأخذناها إلى السيارة وسط فرحة أخي الهستيرية ودموعه التي لم تكف عن الهطول، نظرت إليهما وقلبي يعتصر، كانت هي بالتأكيد قطتنا بكل ما كان فيها، ولكن (محنطة)..

جريمة لا تغتفر..

وبعد الاطلاع على الأحداث بتجرد، وقيام الجانيان عن سابق إصرار وترصد بالإضرار بعلاقة مقدسة، وحيث أنهما تجاهلا صوت الروح وسلمّا الأمر للإيجو، فإننا نحكم بما يلي:

المجني عليه: علاقة عميقة لم تكن لتنتهي

الجاني: طرفي العلاقة

الجريمة: موت بطيء للعلاقة

سلاح الجريمة: الإهمال

ظروف الجريمة: الوقت تكفل بذلك

الحكم: تحجب السعادة عن كليهما لأجل غير مسمى

حيثيات الحكم: إن تعلم كلاهما الدروس سيعاد تقييم الحكم

تم تصديق الحكم بشمع أحمر متقد وتعليقه على قلبيهما لحين انقضاء المدة..

قاضي الأرواح المتآلفة

في قهوة ع المفرق

اللون الذي يكتسي عينيك يشبه قهوة صباحي، حتى وإن قبّلتْ عينيك الشمسُ في ظهيرة كهذه سأرى لمحة لبقايا كاراميل مخفية في العالم الداكن الذي يسكن بداخلها، عميقة نظراتك وتذكرني بيوم سقطت في فضاء قديم يشبه العوالم الأولى والضحكة الأولى والرشفة الأولى، الأولويات التي لم تفارق ذاكرتي المهترئة بينما أنا هنا أحاول أن أتذكر اللحظة الأولى التي رأيتك بها، عيناك تحاولان إخباري، وتموج البخار من كوبي يتمايل ويمتزج بطيفك، هل أنت حقيقة أم ذكرى تمردت من بقايا أحلام بائدة وأطلال حياة غابرة عبرت من خلالي، هل أنت تلك العينين، أم أن قهوتي تتلاعب مشاعري؟!

برغم كل ما قاسيته وكل ما تناسيته، ورغم صوت فيروز وهي تغني (تخلص الدنيى. ومافي غيرك يا وطني) وأنا عالق وأحاول التقاط أي ذكرى تعطي الأمان لعقلي الذي يشتكي من فقدان الذاكرة المؤقت، أي ذكرى عابرة يتشبث بها عقلي ولو كانت لأشخاص لا أعرفهم كمن هم أمامي يتهامسون ويتساءلون عن سر حديثي معك، ويكاد يقتلهم الفضول وهم يرونني أحادث كوب قهوة يتصاعد بخاره للسماء ولا يعود، كذكرياتي التي نست نفسها وصعدت هناك معتقدة أنها أمنيات أنهت مهمتها، كرائحتك التي تشبه الصباح وفيروز والحياة..

سئمت التظاهر بأنني توقفت عن حبك، والنسيان الذي ينتزعك من مروجي زهرة زهرة إلى أن أصبح قاحلا عاجزا عن استرجاعك، لا سواها القهوة تعيدك إليّ، رشفة من عينيك وأخرى من مبسمك وثالثة من روحك والرابط الأثيري الذي ما زال يجمعنا، أعتصر ذهني لئلا تهربي من كوبي الذي يحمل تفاصيلك وسط سائل داكن، وبينما يحادثني شخص ما يحمل على صدره شارة بها اسمه وكلمة باريستا: ” أرجو أن قهوتنا الجديدة يا أستاذي قد أعجبتك فهي من مزرعتنا في جبال فيفا، قهوة سعودية فاخرة”..
هنا عرفت السر، فهذه القهوة أصبحت وطني، ففيها رائحتك وعينيك، وبقايا كاراميل خفية لا يراها سواي..

حب الكتابة وكتابة الحب..

كاتبٌ ما، في زمن ما، قرّر أن يخلد حُبًّا حقيقيًا عاش أحداثه بشغاف قلبه، وأن يتيح فرصة لخيالاته لأن تتجاوز الجدار الفاصل بين المنطق والكتابة، حيث أن الكتابة فعل لا يتقيد بالمعقول ولا ينصاع للقوانين المفروضة عليه، كذلك الحب الحقيقي لا يعترف بزمن أو أمكنة أو تقاليد بالية، ففعل الحب يقع على رأسك بدون مقدمات، ولذا فإن الحب والكتابة وجهان لذلك التمرد على المألوف، وجهان للخلود..

نوى الكاتب أن يزرع فكرة، استعرض الكلمات التي يعرفها، استعان بالكتب التي قرأها، نظر للسماء حينًا وللأفق حينًا، يبحث عن غيمة تروي فكرته، عن نجمة تتبنى حلمه عندما يطلقه إلى الأعلى، كان يجول النظر هنا وهناك، يبحث عن عينيها، عن تأثير ساحر يعيد شغفًا راحلًا وأملًا مؤجلًا، شيئًا ما يُرجع إليه هاجس الفكرة، المساءات الأولى، انبهار البدايات وشهقة الرحيل، وفكرة يخلدها عن الحب والكتابة..

بيد أنه عانى أيما معاناة، فالكتابة عصية حينما تنتظرها، تصافحك بيد وبالأخرى تعطيك قفلة الكتابة، ستعطيك سببًا لتبدع وأسبابا أكثر لتهرب، ستهديك حواسًا إضافية وحيوات لا حصر لها، وستجردك من ذاتك ومن يراعك وأفكارك، فقط لأنك تريد آن تكتب عن الحب، لك أن تحب الكتابة لكن إياك أن تكتب عن الحب وأنت راض ٍ ، السبيل الوحيد لذلك، أن تصادق الكتابة، وتعطيها المجال لكي تخلد هي قصة حبك، بلا تدخل منك..