
اللون الذي يكتسي عينيك يشبه قهوة صباحي، حتى وإن قبّلتْ عينيك الشمسُ في ظهيرة كهذه سأرى لمحة لبقايا كاراميل مخفية في العالم الداكن الذي يسكن بداخلها، عميقة نظراتك وتذكرني بيوم سقطت في فضاء قديم يشبه العوالم الأولى والضحكة الأولى والرشفة الأولى، الأولويات التي لم تفارق ذاكرتي المهترئة بينما أنا هنا أحاول أن أتذكر اللحظة الأولى التي رأيتك بها، عيناك تحاولان إخباري، وتموج البخار من كوبي يتمايل ويمتزج بطيفك، هل أنت حقيقة أم ذكرى تمردت من بقايا أحلام بائدة وأطلال حياة غابرة عبرت من خلالي، هل أنت تلك العينين، أم أن قهوتي تتلاعب مشاعري؟!
برغم كل ما قاسيته وكل ما تناسيته، ورغم صوت فيروز وهي تغني (تخلص الدنيى. ومافي غيرك يا وطني) وأنا عالق وأحاول التقاط أي ذكرى تعطي الأمان لعقلي الذي يشتكي من فقدان الذاكرة المؤقت، أي ذكرى عابرة يتشبث بها عقلي ولو كانت لأشخاص لا أعرفهم كمن هم أمامي يتهامسون ويتساءلون عن سر حديثي معك، ويكاد يقتلهم الفضول وهم يرونني أحادث كوب قهوة يتصاعد بخاره للسماء ولا يعود، كذكرياتي التي نست نفسها وصعدت هناك معتقدة أنها أمنيات أنهت مهمتها، كرائحتك التي تشبه الصباح وفيروز والحياة..
سئمت التظاهر بأنني توقفت عن حبك، والنسيان الذي ينتزعك من مروجي زهرة زهرة إلى أن أصبح قاحلا عاجزا عن استرجاعك، لا سواها القهوة تعيدك إليّ، رشفة من عينيك وأخرى من مبسمك وثالثة من روحك والرابط الأثيري الذي ما زال يجمعنا، أعتصر ذهني لئلا تهربي من كوبي الذي يحمل تفاصيلك وسط سائل داكن، وبينما يحادثني شخص ما يحمل على صدره شارة بها اسمه وكلمة باريستا: ” أرجو أن قهوتنا الجديدة يا أستاذي قد أعجبتك فهي من مزرعتنا في جبال فيفا، قهوة سعودية فاخرة”..
هنا عرفت السر، فهذه القهوة أصبحت وطني، ففيها رائحتك وعينيك، وبقايا كاراميل خفية لا يراها سواي..
