المقتاتون..

(1)

يجري وكأنه يطارد الموت لئلا يسبقه إليه، يعلم بأن مطارديه بطيئو الحركة لكنهم عازمون على اللحاق به مهما كلف الأمر، إنها هوايتهم المفضلة والتي مارسوها لقرون، وجد أمامه بيتًا صغيرًا لا تتبين ملامحه من قتامة الضباب الذي اجتاح المكان وكأنه يهيئ مسرح قصة مرعبة ينتظرها الجمهور بشغف خلف الستار ويعقدون أصابعهم في توتر مصطنع ويستدعون الأدرينالين ليبث الحماس المزيف في عروقهم، يعرف هذا البيت جيدًا، بيت جيرانهم الذي هجروه منذ أن كان طفلًا، لطالما كان يخيفه وهو يمر به. عائدًا من المدرسة قبل أن يصل إلى باب بيتهم.

كان يمشي حينها بصورة طبيعية إلى أن يرى أطلال المنزل فيرفع ثوبه إلى فمه ويضع كتب المدرسة بداخل الثوب وينطلق مسرعًا لئلا يخرج عليه مسخ من ذلك المنزل الذي يكاد يقسم أن قبيلة كاملة من المسوخ والعفاريت تستوطنه ولا تخشى الخروج نهارًا.

قطع سيل ذكرياته وتردد لحظة أمام المنزل ولكن لا مفر من دخوله قبل قدومهم، لا مفر حتى وإن كان يهرب من الموت إليه، فيبدو بأن الموت فاز بالسباق، كعادته..

***

(2)

بدأ الأمر قبل سويعات حينما وصله رد على بريده الالكتروني على رسالة أرسلها قبل عام تقريبا، كان يستفسر عن مراجع تهتم بالتنبؤات predictions، كان مهووسا بفكرة أن يرى المستقبل ويتنبأ باحداثه كما فعل (نوستراديموس) في رباعياته التي تنبأ فيها بأحداث كثيرة منها الثورة الفرنسية والحربين العالميتين قبل قرون من حدوثها.

كان يحلم بأن يدعوه الناس في أدبياتهم مستقبلا (الرجل الذي رأى) أو (زائر المستقبل)، نذير الخطر الذي يوقظ البشرية من غفوة الفناء ويمهد لهم الطريق لصحوة المدينة الفاضلة.

لن يستطيع أن يوجههم لذلك ما لم يرَ كل احتمالات المستقبل ولذلك قرر دراسة التنبؤات وقائليها وليس على غرار تحليل ما قالوا أو تأريخ ما صنعوا، بل كيف وصلوا لهذه القدرة الخارقة.

كان على استعداد لدراسة الخيمياء والعلوم الروحانية والفراسة والثيوصوفية وحتى فيزياء الكم، فقط ليخترق البعد الرابع ويرى كل ما مضى وكل ما يحصل وكل ما هو آت، ولم يكن يأبه للنتيجة بقدر أن يمتلك هذه القدرة ولو بالاستعانة بإبليس نفسه إن كان يعلم هذا السر.

كاد أن يطمع بتلقي النبؤات prophecies صافية كماحصل للأنبياء، لكنه يعرف أن هذا لن يحدث لأن النبوءة تأتي من المصدر الأصلي وليس على غرار التنبؤ الذي يلزمه العديد من المهارات التي تتقاطع مع عالم الظلام والذي قد يصدق وقد لا يتحقق، لكن تكفيه المحاولة.

كان الرد واضحًا على رسالته “مرحبا بك (سام)، أنا (كلير) وتستطيع أن تسميني (أوراكل دلفي)، لدينا كل ما تهفو إليه، لكن هناك شروطًا ينبغي أن تنطبق عليك وكذلك لا بد أن تدخل اللعبة وسأشرح لك ماهيتها عندما تأتي، إن كنت موافقًا احضر لهذا العنوان بالغد ولا تخبر أحدًا بأنك قادم، واكتب وصيتك، جميعنا متشوق للقائك”..

جميعنا؟! يا ترى من هم وكم عددهم؟! يكتب وصيته؟! هل هذه اللعبة ورحلة التعلم طويلة إلى هذا الحد الذي قد لا يعود منه كما كان.

من حسن حظه أنه لا يوجد من يكتب الوصية له، والدان متوفيان، بلا أخوة ولم يتزوج بعد، فقد هجر أصدقائه بعد دخوله في عالم التنبؤات.

إنه حرفيا ليس مقطوعًا من شجرة، بل ليس هناك من شجرة ينتمي إليها أساسّا، ومن حسن حظه أنه يسكن بيت والديه وليس هناك من ينازعه فيه، وهذا سيحفظ أشياءه وكتبه النادرة إلى حين عودته حتى لو استغرق الأمر عدة عقود.

قرر أن يتصفح للمرة الأخيرة ما تعلمه قبل أن ينام استعدادا ليوم الغد، حيث سيقابل (كلير)، اليوم الذي سيصبح فيه رجلًا (يرى)..

(3)

وصل إلى العنوان في الوقت المحدد، إنه مقتنع بأهمية الوقت والحسابات حتى يمتلك القدرة على اختراق حاجز الزمن فالإحساس بالزمن هبة لا يقدرها العديد من الناس، كذلك سيعطي وصوله في ذات التوقيت إلماحة إلى احترامه لشروط هذه المهمة أو اللعبة كما أسمتها (كلير)، هل يعني اسمها الوضوح كما يعتقد؟! أسماه والداه سام نسبة إلى النبي اليهودي ولابن النبي نوح الذي منه جاء العرب؛ ولأنه عربي الجنسية مسيحي الديانة يهودي الإسم، وجد نفسه في دائرة العالم القديم، فتح الباب شخص لم يتبين ملامحه في الظلام الذي غمر المنزل، رغم أن الوقت بالخارج نهارًا.

دخل (سام) بقدمه اليسرى بلا وعي وفوجئ باتساع المكان رغم ضيق المنزل من الخارج، قاده الشخص الذي يبدو بلا ملامح إلى غرفة قصية ودق الباب ست دقات متتابعة نتج عنها فتحه، وكأنها كلمة سر تبرمج عليها.

رأى (كلير) في المنتصف، وكأنه لم ير امرأة من قبل، وتساءل “هل هذه الحسناء الصارخة تعيش معنا على ذات الكوكب؟! “

رحبت به (كلير) ودعته للجلوس، تقابله ثلاث نساء عجائز يبدو بأنهن فاقدات للبصر، أمامهن على الطاولة كرة كريستال صغيرة وتضع كلًا منهن مقصًا ذهبيا لامعًا في حجرها، وابتسمن له ابتسامة بلا أسنان، راعه المنظر قليلا فعاد لوجه (كلير) الذي يبدو أن لديه القدرة على طرد المناظر البشعة كهذه.

يسمع كذلك فحيح ثعابين ورائحة بيض عفن تشبه معدن الكبريت لكنه تجاهلها وعاد إلى ملامح (كلير) وتساءل مرة أخرى، كيف لهذا الملاك أن ينزل من السماء إلى الأرض دون أن ينتبه له كل البشر؟! أيعقل أن ينزل القمر دون أن يشعر به أحد؟!”، وكأن (كلير) تقرأ أفكاره أشارت له بأن ينتبه لحديثها جيدًا قبل البدء، أنصت بتركيز تحسده عليه الروبوتات لكل كلمة قالتها واتسعت عيناه دهشةً مما سمع.

قالت (كلير):

عزيزي (سام)، لقد أتيت في الوقت المناسب، نحترم ذلك وستنال ما جئت من أجله، أنا كاهنة دلفي وهؤلاء الأخوات (مويراي): (كلوثو) و(لاكسيس) و(أتروبوس) وهناك كيانات أخرى تحضر معنا هناْ أنت شعرت بوجودهم لكنك لا تراهم، قد تستطيع رؤيتهم بالعين الكريستالية إن رغبت.

المهمة هي كالتالي: عليك أن تهرب ونحن سنلاحقك، إن استطعت النجاة في خلال الساعة القادمة فسأعلِّمك كل شيءٍ تحتاجه لترى المستقبل، هل أنت موافق؟!

تردد (سام) قليلًا، نظر للكرة الكريستالية وأشار إلى (كلير) برغبته في تجربتها قبل إعطائه الموافقة.

أشارت (كلير) بيدها إليه أن لا مانع، أخذ (سام) الكرة الكريستالية الآي؛ تشبه العين في الشكل والحجم، وضعها على عينه فرأى الكيانات التي تحدثت عنها (كلير) تملؤ الغرفة، رأى توهجًا في جبهة (كلير) وفي المقصات الذهبية للأخوات، ورأى خيوطًا من ضوء تنبعث منه وتنتشر في المكان فذهل، رأى نفسه ممددا على الأرض في بيت قديم يعرفه ولكن لا يعلم من أين يعرفه، فوجئ بصاعقة قوية تضرب دماغه فأبعد الكرة عن عينيه.

قالت (كلير): “الدماغ البشري لا يستطيع تحمل الطاقة الهائلة للكرة لكنني سأدربك عليها لاحقًا، هل نبدأ الآن؟! أموافق أنت على خوض هذه التجربة؟!

تحت تأثير دهشته بما رآه أومأ لها بالموافقة، اقتربت منه (كلير) وهمست بصوت أقرب إلى الفحيح: (أهرب)..

(4)

دخل المنزل الذي يذكِّره بطفولته، هدوء تام، لا مسوخ ولا شياطين كما اعتقد، لعل خيال الطفل فيه هيأ له وجودهم كما يفعل كل الأطفال قبل البلوغ ثم ينسون أنهم حقا كانوا يرون كل الكيانات النورانية والظلامية، قبل أن ينمو وعيهم وتطمس بصيرتهم مؤقتا في رحلة لاستعادتها عند الكبر وقليل من يستطيع ذلك.

لوهلة رأى (سوسن)، تجمَّد في مكانه، (سوسن) الحب الأول والتي تركته وتزوجت ابن خالتها الذي يعيش في أميركا، كم من الليالي بعدها احترق قلبه فيها من الحزن وابيضت عيناه من الانتظار وخسر نصف وزنه من الوجع.

اشتعلت مشاعره فجأة وهو يخطو خطاه إليها وهي تنظر إليه في جمود وهالتها تضيء المكان وكأنه يشاهد عرضا هولوجوراميا، انحصرت أمنياته كلها في هذه اللحظة في عناق انتظره طويلا.

اقترب أكثر منها فالتفتت إليه وابتسمت، ما السر في ابتسامة المحبوب يا ترى؟! وكأن ألف نجمة تشع منها فتجذب المحب كما تنجذب الحشرات إلى النار فتلقى نحبها سعيدة، اقتربت لحظة العناق لكن شعورا مزعجا انتابه، شمَّ رائحة الكبريت العطن وسمع فحيحا مألوفا، كيف وصلوا إلى هنا بهذه السرعة؟!

اختفت (سوسن) من أمامه فجأة، اختفى نورها وتسللت العتمة إلى المكان مع الذين حضروا، يمنِّي نفسه برؤية (كلير) ليفهم ما يحدث ولكنه فوجئ بآلام لا تطاق، سقط على الأرض ورأى خيوط الضوء تنطلق من جسده في كل مكان، ورأى (كلير) واقفة فوق رأسه والأخوات (الميوراي) يمسكن بالخيوط ويسحبنها بشدة من جسده ويقصصن أصلها بمقصاتهن، والشياطين تتربص به وتقترب، كأن غزالا تعثر في عرين للضباع، وحدها الضباع تتلذذ بافتراس ضحيتها وهي حية.

حاول المقاومة وإغماض عينيه بلا جدوى، استسلم لفكرة الموت، على الأقل هناك وصية تركها إن افتقده أحدهم..

(5)

أفاق ونظر إلى السقف، أهكذا يبدو الجحيم؟! سقف مستعار في مخزن قديم؟! حاول القيام بصعوبة، رأى (كلير) تجلس على كرسي في ركن الغرفة، تبتسم له ابتسامة المنتصر في لعبة خداع، وتقول:

مرحبا بعودتك (سام)، كلا لم تمت بعد إن كنت تتساءل، ربما ماتت فيك أشياء لكنك كما أنت، المهم أبارك لك نجاحك في اللعبة، صرت واحدًا منا الآن..

لم يستوعب (سام) ما تقول، كانت نظراته الجامدة المنفصلة عن واقعها تحاول فهم ما حدث.

علمت (كلير) أنه يبحث عن إجابات فطمأنته: “سأحكي لك كل شي فلا تقلق”..

“أنا يا (سام) كيان ولد من رحم البصيرة clairvoyant والتي ربما سمعت عن العين الثالثة وعين البصيرة من قبل، لكنني على النقيض أتغذى بها، لا تتعجب! فكلنا مقتاتون، نقتات ونتغذى على الطاقات ونمتصها، الشياطين تتغذى على الترددات المنخفضة كالاكتئاب والحزن والخوف ومشاعر الخيانة والهجر التي تلتصق بهالتك وأظنك تعلم هذا الشيء من قبل، أخواتي الميوراي كن يرمزن لفكرة الأقدار جميعا وكنا نستغل هذا الشيء فنتغذى على الخيوط الأثيرية التي تربط الانسان بما حوله، ذكريات الماضي ومشاعر الحاضر وأمنيات المستقبل، نجمع الخيوط التي تعبر عنها في جسدك ونقطعها ونمتصها حتى لا نموت، بينما أنا أمتاز عنهم بالتغذي على طاقة العين الثالثة التي تتفتح فجأة بلا تدريج ولا هالة تحميها، أتعلم أنني اخترعت كل طرق فتح العين الثالثة في كتب ومواقع الانترنت الخاصة بكم، لا شيء ألذ في الحياة من مذاق طاقة البصيرة، نحن نجتمع في بداية كل قرن لنتغدى ثم نَسبُت إلى بداية القرن الذي يليه.

أنت كنت الشخص المثالي للعبة الصيد هذه، لقد تغذينا تماما على طاقتك ولم يتبق منك شيء، روحك لم تعد في هذا العالم وهذا لحسن حظك. الآن تستطيع أن ترى كل شيء وتستخدم الكرة الكريستالية بلا ألم وكذلك قراءة طاقة البشر المنخفضة واللعب على أحلامهم وأمانيهم باستخدام التاروت والفنجان والبلور وأحواض المياه وحتى السحر، وستسمع الشياطين يتهامسون بأخبار السماء ويلبون نداء تعاويذك على أن تغذيهم دائمًا بالترددات المنخفضة، أنت الآن (ترى) لكن بلا مشاعر ولا أمنيات ولا ذكريات، بلا (إنسانية)، هذا هو الثمن الذي تعين عليك دفعه كما فعل من قبلك (نوسترا) وغيره، فلا يوجد شيء بلا مقابل.

ولدهشة (سام)، لم يبد أي ردة فعل، حلل ما قالته وأومأ برأسه موافقا لها وعضوا جديدا في جماعتها.

أخذ الكرة الكريستالية من يد (كلير)، يرى كل شي حرفيا، ولا توجد أية خيوط نورانية في جسده. سيدون ما يراه لاحقا ليرعب البشرية بقدراته، ولن يكتب أي شي مبشر لهم بل كل ماهو مرتبط بالموت والغدر والشياطين..

طلبت منه (كلير) مهمة أخيرة، فليبحث لها بالكرة الكريستالية عن ضحية جديدة، القوم ما يزالون جوعى وعليهم الاقتيات قبل الدخول في سباتهم العميق، أشار إليها بالطاعة وبدأ رحلة البحث..

*****

أضف تعليق