بائعة الخرافين

(1)

الحادية عشر ظهرًا، تميل الشمس باتجاه الجنوب متعامدة على قمم الجبال والأمواج ورؤوس الخلق، يتدنى حد احتمال الناس لأي نقاش، يتسارع الباعة للتخلص من بضائعهم الطازجة لئلا تذوي، ويتجول منتهزو الفرص بينهم للبحث عن أقل سعر ممكن ليأخذوا ما لديهم ويبيعوه على أطراف السوق لرواده المتعجلين لعلهم يكسبون قرشًا أو اثنين كهامش ربح معقول يكفيهم لتدوير عملياتهم التجارية ليوم آخر على الأقل ويكفيهم قوت يومهم وقد يزيد..

وهناك باعة (المغاش) و(الصحفات) والأواني الفخارية المدهونة بالقطران في طرف السوق الأقصى أمام المسجد الحجري القديم، يقضون وقتهم يتداولون شعر (الطارق) وردوده الشهيرة فيما بينهم ويتحدون بعضهم البعض، بينما خلف المسجد في زاوية صغيرة من الظل تقبع امرأة عجوز غارت عيناها وبجوارها كلبتين سوداوين تلهثان طردًا لرطوبة الجو الحار..

تبيع هذه المرأة نوعًا مختلفاً من الإبداع لروادها القلائل، نوعًا مخصصًا من القصص الخرافية التي حورت عبر الأزمان لتصل لمسامع الأطفال عبر أمهاتهم وجداتهم ونساء القبيلة وخيالهن الواسع، قصصًا لا تْحكى إلا ليلًا على (القعايد) بصحبة الفوانيس و(المناوسات) وهدهدة الأطفال لأنفسهم في (الهناديل) والتماعة الأنجم في السماء وهدير الإبل، تبيع هذه المرأة (الخرفينة) بما يقابلها من (خرافين) أو عظمًا لكلبتيها وقد تطلب مؤونة لها أو أعشابًا عطرية تتذكر بها زمنًا غابرًا لن يعود، ثم تنتقل بشكل شبه يومي من سوق شعبي لآخر تحمل بضاعتها الشفاهية لتفرغها في آذان اللواتي يرغبن بقصص الجانب الآخر، وتعود بعدها لتقضي المساء برفقة الليل وبنات جنسها والقمر..

(2)

“-ماذا تريدين يا ابنتي؟! قصص الأميرات الحسناوات، سندباد والبحارة، علاء الدين والمصباح السحري، علي بابا والأربعين حرامي، حوريات البحر، أم تريدين قصصا تجعل الأطفال ينامون مبكرين، لدي نظرة مختلفة لقصة (شرهبان)، وهناك جمل فقد رأسه، ورجل لديه حوافر كالحمار، و (بس عري) يريد العودة لمنزله، ولدي أيضا خرفينة (أبو كلبان) و(امنباش) و(امخيبة) و(فاطم حسن)، وكذلك (الحنش) التي تركت زوجها، وإن أردت (خرافين) أخرى سأعطيك لكنها ستكلفك ضعفي أجري المعتاد، أبطالها (امبده) و(امجتيمة) و(عبلة) و(أم الصبيان) و(أبو سلاسل) و(امعشية وعيالها) و(خاتم سيدنا سليمان) و(حسين مسفر) و(أهل الأرض)، اختاري ما تشائين ولتحفظي ما أردده عليك ولا تخافي فنحن في منتصف النهار حيث لا يجرؤ احدهم على القدوم هنا..”

بضاعة مجزئة أم بضاعة مزجاة، يعتمد ذلك على ما لدى عملائها من أشياء يقايضون بها، يعطونها ما تيسر ويأخذون ما يرغبون، ويذهب كلٌ في سبيله، تمكث في مكانها إلى ما بعد مغيب الشمس على أن تعود الأسبوع المقبل ب(خرافين) جديدة ومثيرة..

(3)

الحادية عشرة ليلًا، تلوّح لهم النجوم تلويحة ترحاب بعودتهم وتريهم الطريق إلى عالمهم، ثلاث فتيات يانعات يبدون في ريعان شبابهن ويمشين بخفة وتروٍ بين الحقول وكأنهن انتمين للسنابل، يبتسمن كلما عبر شهاب دائرة أنظارهم وكأنه صديق حميم يومئ برأسه يهنئهن على إنجاز جديد ومهمة منجزة، يصلن قريبًا من بيتهن بالجبل ويقفزن بخفة كماعز جبلي بين الصخور عند مدخل كهف يهاب الناس النظر إليه فما بالهم بدخوله..
تقول إحداهن:
-أختي، سئمت من دور الكلبة، أريد أن ألعب دور بائعة الخرافين ولو مرة..
قالت الأخرى:
-ليس بعد، أمامك الكثير لتتعلميه، كوني مطيعة مثل أختك ..
ردت الثالثة:
-لا مانع لدي في الانتظار والطاعة فأنت لست أختنا فحسب بل أمنا الثانية، لكن وددت السؤال، لماذا تحرصين على إعطاء البشر قصص عالمنا وهم لا ينتمون إليه..
قالت الأخت الكبرى:
-ليستمر خوفهم منا، لو كانوا يروننا كمان نحن في وضح النهار لاستعبدونا وأسرونا، يجب أن نغذي هذا الخوف بداخلهم للأبد لنحمي عالمنا منهم..


أضف تعليق