عالق في سنة كبيسة

29 فبراير 2028

“يوم طلاقنا..

خطأ تافه من قبلها وإساءة ظن مني جعلاني أتخلى عنها، صورة لها قبل زواجنا تحتضن ذراع رجل غريب وتضع رأسها على كتفه، لم تقنعني مبرراتها بأنه والدها، أعرف شكل والدها المتوفي وهذا لا يشبهه أبداً، فانفعلت وطلقتها..

ثم أكدت لي أمها حديثها بعد فوات الأوان فوضحت لي أنه أباها البيولوجي الذي طلق أمها وهي حامل وعاد ليعتذر منهم بعد انقطاع طويل لغياب الخبر عنه، أما من عاشوا معه فهو زوج امها الراحل الذي عاملها كابنته وقد أعطاها اسمه لكون والدها الحقيقي لم يكن يعرف عن حمل زوجته..

لم أتحمل منظر دموعها الذي ترك خطوطاً في وجنتيها كوعثاء السفر، هي ضحية والأولاد أيضاً، لم يكسر قراري قلبينا بل هشمها تماما وتعذرت سبل الإصلاح فهي لم تتخيل يومًا أن أشك في شرفها وأنا أكثر من أحبّت في هذا العالم بل في نظرها كنت العالم بأكمله..

أريد العودة لأصلح الأمر، حصلت على كتاب عتيق عن فنون السفر عبر الزمن من الدارك ويب لعله يكون هو الحل، يُذكر هنا أن السفر بالجسد غير ممكن بالظروف الحالية ولتعقُّد التقنية اللازمة والتي ما تزال محض نظريات لم تطبق، لكن السفر بالوعي يقوم مقامه فأعود في نفس جسدي لكن بوعيي الحالي، وقد عمل بها من نال مقاما عظيما في الطقوس الثيوصوفية في بعض الديانات..”

29 فبراير 2032

“بعد عزلة قاسية..

أرى أنني صرت جاهزاً للمغامرة، زوجتي حبيبتي في مستشفى الأمراض النفسية منذ الذي صار, الأولاد لم يعودوا يطيقون رؤيتي عندما كنت أزورهم عند جدتهم، فانعزلت في كوخ ريفي كي أطبق الطقوس اللازمة للتصحيح، أهلي وأصدقائي يحسبونني ميتاً بعد أن أبلغوا السلطات التي بحثت عني بلا طائل طولل تلك الأعوام، هذه فرصتي الوحيدة لاستعادة السعادة، سأعود لذات الليلة التي رأيت فيها الصورة وطلقتها وسأختار وقتاً مناسباً لمعرفة حقيقة القصة وإنهائها قبل الجدل الذي كلفنا حبنا، تكمن الخطورة في أن تغيير مسار الزمن ممكن وهذا ما سأتحاشاه..”

إقرأ المزيد

بائعة الخرافين

(1)

الحادية عشر ظهرًا، تميل الشمس باتجاه الجنوب متعامدة على قمم الجبال والأمواج ورؤوس الخلق، يتدنى حد احتمال الناس لأي نقاش، يتسارع الباعة للتخلص من بضائعهم الطازجة لئلا تذوي، ويتجول منتهزو الفرص بينهم للبحث عن أقل سعر ممكن ليأخذوا ما لديهم ويبيعوه على أطراف السوق لرواده المتعجلين لعلهم يكسبون قرشًا أو اثنين كهامش ربح معقول يكفيهم لتدوير عملياتهم التجارية ليوم آخر على الأقل ويكفيهم قوت يومهم وقد يزيد..

وهناك باعة (المغاش) و(الصحفات) والأواني الفخارية المدهونة بالقطران في طرف السوق الأقصى أمام المسجد الحجري القديم، يقضون وقتهم يتداولون شعر (الطارق) وردوده الشهيرة فيما بينهم ويتحدون بعضهم البعض، بينما خلف المسجد في زاوية صغيرة من الظل تقبع امرأة عجوز غارت عيناها وبجوارها كلبتين سوداوين تلهثان طردًا لرطوبة الجو الحار..

تبيع هذه المرأة نوعًا مختلفاً من الإبداع لروادها القلائل، نوعًا مخصصًا من القصص الخرافية التي حورت عبر الأزمان لتصل لمسامع الأطفال عبر أمهاتهم وجداتهم ونساء القبيلة وخيالهن الواسع، قصصًا لا تْحكى إلا ليلًا على (القعايد) بصحبة الفوانيس و(المناوسات) وهدهدة الأطفال لأنفسهم في (الهناديل) والتماعة الأنجم في السماء وهدير الإبل، تبيع هذه المرأة (الخرفينة) بما يقابلها من (خرافين) أو عظمًا لكلبتيها وقد تطلب مؤونة لها أو أعشابًا عطرية تتذكر بها زمنًا غابرًا لن يعود، ثم تنتقل بشكل شبه يومي من سوق شعبي لآخر تحمل بضاعتها الشفاهية لتفرغها في آذان اللواتي يرغبن بقصص الجانب الآخر، وتعود بعدها لتقضي المساء برفقة الليل وبنات جنسها والقمر..

إقرأ المزيد