
(1)
رُصدت المخالفة في تمام الساعة 1:52 ص حسب التقرير الالكتروني من جهاز الرادار الخاص برصد السرعات العالية، بلغت سرعة تلك السيارة من طراز بوغاتي نحو 260 كم/س أي أنها توازي سرعة طلقة المسدس التي تخترق جلد ضحيتها عابرة طريقها إلى الجانب الآخر تاركة الفوضى خلفها بلا التفات وكأنها شخص نرجسي يتلذذ بضحيته قبل أن يتركها حطاما، بتلك السرعة الفائقة لو وقف شخص أمام هذه السيارة لاخترقته، ولو اصطدمت بحاجز صلب لتحولت لما يشبه اللوحة المسطحة، ولو أتيح لها مساحة أرحب لطارت وانتقلت لبُعد جيراننا في الأرض والذين نخاف منهم ويخافون منا منذ زمن يسبق التاريخ المكتوب..
(2)
توقفت دورية الأمن عند باب منزل من طراز المودرن كلاسيك في ذلك الحي الراقي بالمدينة، موقع البيت قريب من مكان رصد المخالفة كما أن السيارة الواقفة بالخارج تطابق لون وطراز السيارة التي رصدت يومها، المنزل فخم لا شك في ذلك كما يعتقد الجندي لكن هذه السيارة تليق بقصر فخم وبوابة مؤمّنة ومدججة برجال الأمن ولا يليق بها أن تكون هكذا واقفة في شارع فرعي عند منزل ينتمى لطبقة فوق المتوسطة، أيُعقل أن تسكن ملكة جمال الكون في شقة مطلة على البحر مثلا، قد تكون هذه الشقة حلما للكثير، لكن الفاتنات لا يليق بهن السكنى إلا في القصور الفارهة والأبراج العالية وإلا لما تناقل التاريخ قصصهن في ممالك الصين والسند والأندلس والغال..
وكز الجندي الآخر كتف زميله الذي حدّق في السيارة ذات اللون العجيب الذي يشبه البنفسج والخزامى والشفق في آن واحد، لوحتها (ب هـ ى 152)، حاول تصويرها بالتطبيق الخاص برصد المخالفات لكن اللوحة تظهر بيضاء لا يشوبها شيء، وبعد الضغط على زر الجرس الخارجي للنداء، خرج لهما شاب وسيم القسمات فارع الطول منسدل الشعر لأعلى كتفيه، ظهر لهما في أشعة شمس الظهيرة وكأنه شمس أخرى أشرقت من المنزل:
-هل أنت السيد بهاء؟؟
-نعم، أهلا بك..
-لدينا أمر بمرافقتك إلى مركز الأمن المجاور، وستأتي مركبة لتقطر السيارة معنا للمركز ليتم فحصها، هلّا زودتنا بمفتاح السيارة وكذلك هويتك لنتأكد من اسمك الأخير؟!
-السيارة تعمل فقط ببصمة أصبعي ولا تحتاج لمفتاح، كما أنني لا أحمل اسمًا آخر معي، اسمي فقط بهاء ..
-كيف لا تحمل اسما آخر؟! الأنظمة والقوانين لا تسمح بذلك كما أن امتلاك سيارة ومنزل يعني أنك تحمل مستندات موثقة مبنية على هويتك الشخصية أو حتى جواز سفر أو وثيقة إقامة ، هلّا أحضرتها لنتأكد؟!
-لا توجد لدي هوية كما أخبرتك، أنا مجرد زائر وسأغادر قريبا..
عقد الجندي أصابعه بجانب جسده قريبا من سلاحه الخاص وشعر بانفعال، رغم التدريبات الشاقة التي خاضوها في جميع القطاعات الأمنية إلا أنه لأول مرة يشعر بالتهديد رغم الطبيعة الهادئة للشخص المقابل، استمر في توجيه حديثه لصاحب السيارة:
-هناك الكثير من العلامات الحمراء حولك، لا أستطيع تحديد ماهيتها لكن شيئا مريبا يحيط بك..
-ما هذا الشيء المريب حضرة الجندي، قد كنت في انتظاركم أصلا منذ فترة، ومستعد للذهاب معكم، ما الذي يدفعك للتوتر هكذا، لا مبرر هنالك لتمسك سلاحك فلست مصدرا للتهديد..
وكز الجندي المرافق كتف زميله مرة أخرى وقال:
-نحن مأمورون بإحضاره مع السيارة وليس التحقيق معه، فلننهِ هذه المهمة ونعود للمركز في سلام..
تمعّر وجه الجندي ثم استعاد توازنه ونفذ الأوامر، حضرت مركبة السحب وقطرت السيارة وتوجهوا جميعا إلى مركز الأمن..
(3)
نوعية المراكز التي ليس لها تصنيف ولا مسمى ولا هدف معلن سوى أنها جهة أمنية، لعلها ترتبط في الوجدان بالذهاب لما وراء مجرة أندروميدا فلم يعد وراء الشمس متوفرا، دخل بهاء مع الجنديين في غرفة رمادية بائس لونها وجلس على الكرسي في ذلك المكتب الصغير الذي إن اتسع لقدم فقد لا يتسع للأخرى، هناك يجلس محقق ناظرا لعلبة سجائر على مكتبه ويشوبه التردد، هل يطلق توتره في الهواء عبر الدخان أو يفرغه غضبا في هذا الشخص الماثل أمامه، عاجله بهاء بأن بادره بالسلام:
-السلام عليكم حضرة المحقق سعد..
انعقد لسان المحقق وأمر الجنديين بالذهاب بصوت متوتر، وقال بصوت خافت:
-هل أخبرك الجندي بإسمي؟!
-لا، بل هو مكتوب على سترتك المعلقة خلف الباب، وبالمناسبة مرحبا بك سعادة العقيد سلطان..
انتفض المحقق في مكانه، كيف عرف بهاء بوجود شخص آخر بالغرفة خلف الباب وهو لم يلتفت منذ دخوله قبل ثوانٍ لا غير..
قام المحقق سعد من مكانه فأومأ له العقيد سلطان بالهدوء، اقترب العقيد من المكتب وجلس على كرسي المحقق وأمره بالذهاب فلم يعد هنالك داعٍ لوجوده، ثم وجّه حديثه الواثق لبهاء:
-كنت أود أن أبقى مراقبا للتحقيق لكنك أثبت لي أن العديد من شكوكي في مكانها وأن المعلومات التي سأذكرها أعلى من التصريح الأمني الذي يملكونه هنا في هذا المبنى، أفضّل أن يكون الحوار بيننا مباشرة لو لم يكن لديك مانع سيد بهاء..
-بكل سرور، لقد أخبرت الجندي بأنني كنت في انتظارهم، ولكي لا أضيع وقتي ووقتك، تفضل سعادة العقيد وأخبرني بالهدف من إحضاري إلى هنا بينما كان بإمكانك زيارتي بالمنزل والسؤال عما تريد وسأجيب بكل بساطة..
-ليس لدي سوى سؤال واحد، ولدي تفسيران لما حدث، ولدي كذلك حلول لمساعدتك على الخروج من هذ الموقف، قل لي فقط: كيف فعلتها؟!
شهر كامل وأنا أتابع قضيتك، سرعة جنونية في سيارتك الفريدة من نوعها وكأنك تستفز شبكة الرادار العاجزة عن إثبات ذلك، أسمع عن تواجدك في محافل مع أشخاص يتفاخرون بالتصوير معك وذكر اسمك مجردًا رغم أنهم يجمعون على عدم معرفتهم بك من قبل أو تحديد نوع علاقتهم بك، كل هذا استطعت تقبلّه ولكن الغريب في الأمر أن وجهك لا يظهر في أي صورة، وهذه الضجة المفتعلة حولك من الناس بين مصدق ومكذب خاصة أصحاب نظريات المؤامرة الذي أشبعوا الأمر تحليلا وبحثا..
من أنت سيد بهاء ؟! بل ما أنت؟!
(4)
رغم برودة الأجواء في الغرفة والتي قد تكون مستوحاة من العصر الذهبي لكيان ال KGB مع السوفييت والتي تدفع عقل المتهم للتفكير في طريقة للبقاء دافئا فيصعب عليه الكذب والمراوغة، لم يظهر سوى الجمود وابتسامة لا تكاد ترى على محيا بهاء وهو يردّ على السؤال:
-سؤالك عميق سعادة العقيد، أهنئك، لكن الإجابة أبسط مما تظن، أنا بهاء، مجرد زائر إليكم وسأرحل قريبا، أما عن سؤالك كيف فعلتها فأود أن أستفيض في الحوار معك لكن لدي فضول في معرفة ما لديك، ما التفسيرات والحلول التي تملكها وما المعلومات التي جمعتها عني لتصل لاستنتاجاتك التي لا أستطيع إثباتها أو نفيها بطبيعة الحال..
تنهد العقيد سلطان، وكأي مباراة يخوضها في لعبة الاحتمالات يقوم بدراسة كل شي ويسبق منافسيه بخطوات في عقله، سواء في كرة القدم، الملاكمة، الشطرنج، وحتى التحقيقات مع أعداء الدولة، هو دائما من يكسب اللعبة، فقد لقبوه بالعبقري وبالشيطان وحتى بالعرّاف، لكنه ولأول مرة يقف أمام هذا الشاطئ، بحر الظلمات كما سبق أن أطلق الأسبقون المسمى على المحيط الأطلسي الذي ابتلع العديد من رحلات البحارة وحتى من سمح لهم هذا المحيط بالمضي في مسعاهم لم يعودوا لديارهم، لذلك لم يطلق على العالم الجديد هذا الاسم من فراغ، وكل شخص كان يقف في هذا الشاطئ يعرف أنه على عتبات عالم جديد، شعور مرعب ومخيف وخطوة مترددة حتى القلوب الميتة تخشى أن تبادر بالخطوة الأولى فيها، تماما كما وجد العقيد سلطان نفسه أمام تلك الحالة المسماة بهاء، عالم جديد مرتقب لا يعلم ما وراءه..
استجمع شجاعته وقرر أن يستعيد زمام القوة، وبدأ في عرض ما لديه:
-أولاً اسمك، بهاء، كما شاهدنا في ملفات تعريف الأشخاص الذين التقطوا صورهم معك، اسم على مسمى وحضور طاغٍ يجعل أشد العقول ليّنًا في رحابك، لكن قبل أن أخوض في اسمك وهيئتك، دعني أشرح لك استنتاجي الأول:
أنت مخترع أو رجل نافذ من سلالة نخبوية لا ترغب الظهور للعلن، وتملك من التقنيات ما يجعل العالم يلتف حول نفسه، وأنت الآن في طور تجربة منتج جديد علينا، لوحة السيارة مثلا وسيتضح ذلك مع الفحص بها مادة تعكس الضوء، نفس المادة هذا تستخدمها على وجهك ومساحة الجلد الظاهر منك فلا تستطيع الكاميرات التقاطك، ولكن..
هذا الاختراع العجيب يعني أن جهتين ستتصارعان على امتلاكه، هناك جهة إجرامية ما ستوفره لمن يدفع أكثر، فأي سائق متهور ومهرب للمخدرات وأي إرهابي متخفٍ سيستخدمونها للهروب من قبضة الأمن، فلا يمكن أن يتم تتبع سيارة بلا لوحة أو وجها بلا ملامح، وهناك جهة أخرى متضررة مثل مصنعو تكنولوجيا الرادار وكاميرات المراقبة وأجهزة الهاتف الذكية والكاميرات الحديثة، ما الفائدة من جهاز لا يستطيع التقاط صورة إذا اختفت ملامح الناس في الصور؟! ستخسر هذا الشركات بشكل فادح وستسعى لامتلاك هذا المنتج ليدمروه، ناهيك عن الدول العظمى التي قد تسعى لاختطافك لمعرفة أسرارك أيضا، ولذلك حرصنا على إحضارك هنا لحمايتك أيضا..
ابتسم بهاء عند هذه النقطة لكنه لم يرد على هذه المزاعم، ساد الصمت لفترة لم تتعد العشرة ثوان ثم استطرد العقيد سلطان في تفسيراته:
-ولك أن تتخيل الفوضى التي سيتركها هذا الصراع، وأنت تعرف أننا لن نسمح بإشاعة الاضطراب في مجتمع مسالم،
هل اقتربت من الحقيقة سيد بهاء؟!
-عقليتك تحليلية بارعة سعادة المحقق، لن أجيبك الآن، أكمل تفسيرك الآخر فضلًا..
(5)
قام العقيد سلطان من مكانه ودار حول الغرفة بخطوات بطيئة، فقد كان يريد أيضًا اختبار ردود فعل بهاء، لقد علمنا صراع الحيوانات في الطبيعة الشيء الكثير، عملية الصيد والافتراس هي درس جليّ لكل من يريد تدريب حواسه على الانتباه لأدق التفاصيل، رائحة الهدف، دبيب خطواته، ظلّه المختبئ في الأحراش، الحدس الفائق الذي يستدعي كل هرمونات الحفاظ على البقاء لتستوقف الجسد شعرة شعرة تأهباً للانطلاق وبدء الصراع..
لم تبدُ على بهاء أي ردة فعل تذكر، عاد العقيد سلطان ليجلس على حافة المكتب، أخرج هاتفه وأظهر صورة ما ووجهها لبهاء:
-هذا أنت، عند حائط الكعبة المشرفة، تقف في سكون، ولا يظهر من وجهك سوى نور ساطع، هل تعلم كم سببت هذه الصورة من ضجة في مواقع التواصل؟!
“ملاك يظهر عند الكعبة”..
انتشر هذا العنوان انتشار الهشيم في نار العقول، هي ليست ضجة بل فتنة، ولعلها هي الخيط الذي بدأتُ منه لأصل إليك، طفقت أبحث عن صور لشخص يشع وجهه في مواقع التواصل وعرفنا معها اسمك، ثم ربطنا ذلك بصورة لك التقطها شخص هاوٍ وأنت تنزل من سيارتك في زيارة للمتحف الوطني، حيث لا تظهر لوحة السيارة ولا ملامحك، وتتبعنا السيارة في كل مكان حتى وجدناها عند ذلك المنزل الصغير الذي ضللّنا، حيث كانت دائرة البحث تشمل القصور والمنتجعات والمجمعات الفاخرة قبل أن يلفت انتباهنا تغريدة لمراهق في حيكم التقط صورة له مع السيارة..
قام العقيد واتكئ بظهره على الحائط خلف المكتب مواجها بهاء، رفع قدما واحدة لتسند وضعيته وأبقى الأخرى مستقيمة على الأرض، لاحظ للمرة الأولى أن بهاء لم تتغير وضعية جلوسه منذ أن دخل، وأنه لم يسأل عن شيء ولم يستفسر عن وضعه أو حتى عن السيارة بل ولم يطلب كوبًا من الماء، بل أنه يبتسم ابتسامة خفية من حين لآخر تخفي الكثير خلفها، واصل توجيه حديثه لبهاء قائلا:
-كانت رحلة مضنية في البحث عنك، أنت قلت للجندي بأنك تنتظرنا ومع ذلك لم تبادر في تقديم نفسك لأي جهة رسمية، انتباهك لوجودي في الغرفة واسم سعد على السترة بدون أن تلتفت فتح الباب على مصراعيه للكثير من التفسيرات التي يعتبرها المجتمع غريبة وخارجة عن المألوف مما يخالف تفسيراتي السابقة..
هل تسمح لي باستعراضها؟!
بوجه جامد يشبه اللا ملامح في الصور التي التقطت له، أشار بإيماءة للعقيد للاستمرار، مخفيًا انبهاره بعقليته واستنتاجاته “هذا الشخص عبقري حقًا”..
أنزل العقيد قدما ورفع الأخرى ووضع يده خلف ظهره وهو ما زال متكئا على الحائط، كانت قطرات العرق تتلألأ على جبينه من فرط الحماس وهو يستعرض معلوماته وما توصل إليه رغم البرودة العالية في تلك الغرفة، قد لا يختلف حاله عن حال كل المحققين في كتب (من فعلها؟!) لأجاثا كريستي وغيرها، وضعية كشف الحقيقة التي تذهل الجميع بمن فيهم القاتل نفسه، التنهيدة الأخيرة قبل كشف الحل والتي تجبر الحاضرين على التصفيق لعبقرية المحقق وتجبر القارئ على رفع حاجبيه والحيرة في توجيه التحية للمحقق أم الكاتب على صنع هذه اللحظة التي تشبه لوحة انطباعية خلدها الزمن..
أنزل العقيد قدمه الأخرى واتكأ بيده على كرسي المكتب وأشار لبهاء بيده الأخرى وقال:
-أنت لست منّا سيد بهاء، ربما أنت ملاك كما أطلقوا عليك، لكن الملائكة كما تعلّمنا يظهرون فقط بأمر الله، ورسالتهم واضحة ولا يخالفون القوانين، ربما أنت من جيراننا في البعد الآخر، عالم الجن الغامض الذي يهابنا ونهابه، لكن لا يوجد جنّي لديه الطاقة الكافية للتجسد في بعدنا بهذه الأريحية فليسوا مخلوقون من نور كما نعلم، حتى إبليس بنفسه لا يستطيع البقاء في هيئة بشرية طوال الوقت ولا بد أن تظهر هيئته الممسوخة بعدها فهي لعنته لنهاية الأيام، ربما أنت زائر من جوف الأرض كما تناولت الأدبيات القديمة سكان أغارثا، أو من مستقبل الأرض ولديك آلة زمنية مخبئة في منزلك، وربما أنت غريب من بلاد غريبة أو كوكب غريب أو مجرة بعيدة عنا..
اسمك بهاء، باء وهاء كما ينطق، ولدينا في العربية الباء يحمل الرقم 2 والهاء يحمل الرقم 5 في علم دلالة الأرقام، ومجموعهما 7، هل أنت من كوكب سابع في سمائنا؟! أو أرض سابعة، أو بعد سابع أعلى منا كما يقول علماء فيزياء الكم؟! أم أنت من المُنظرين الذين توارد ذكرهم في الكتب القديمة؟!
ألا تعلم أن الحكومات في الأرض لديها أدلة دامغة على وجود كل تلك الظواهر وتدرسها باستمرار لتصل لطريقة ما يمكن بها التعرف على هذه العوالم؟!
من أنت سيد بهاء، بل ما أنت؟!
لحظة صمت طالت هذه المرة، صوت أنفاس المحقق المتحمس لسماع تصفيق الحاضرين في مسرح الجريمة في غرفة صغيرة لا يوجد بها حاضرون ولا جريمة، وشخص هادئ يجلس على الكرسي بجمود تحسده عليه جبال الجليد في القطبين، تنهد بهاء تنهيدة طويلة ثم وقف وقال للمحقق سلطان:
-هنيئا بأهل الأرض بك..
واختفى بهاء من الغرفة تاركا ملابسه مكومة على الأرض وكأنها أفكار العقيد التي تهاوت معها وسط دهشته وتناقض مشاعره فهل يسعد بكون أحد نظرياته على صواب أو يضيق صدره فليس لديه تفسير يقدمه للمسؤولين عما حدث..
(6)
في مركبة فضائية صغيرة خلف حزام الكويكبات بالقرب من قمر آيو التابع لكوكب المشترى، يجلس أحدهم يتابع تحليل البيانات التي يتتابع وصولها على شاشة المركبة، يظهر بهاء فجأة على المقعد المقابل، يتأكد من مسح أصبعه على الأسورة الوامضة في معصمه ويحاول استعادة ذاكرة عضلاته بعد هذا الانتقال الآني الذي أنهى مهمته في الأرض..
التفت رفيقه إليه وابتسم وتمتم ببضع كلمات في جهاز التحليل وكأنه يتهيأ لإغلاق ملف مهمة ما، ثم خاطب بهاء:
-كانت لفتة عبقرية منك أن تدير كل هذا المشهد، لم أكن أعلم بأنك تمتلك كل هذه المواهب يا رفيقي، لكنني لاحظت بأنك أعجبت بهذا الكوكب، كل تفصيلة ذكرناها نفذت ببراعة فائقة ولم ينتبه أحد إلى أن كل هذه العملية كانت مجرد تضليل عن الهدف الرئيسي لوجودنا..
-صدقني يا نماء، هذا المحقق كاد يكشف بشكل أو بآخر عن هويتي ونال إعجابي، لكنني بالانتقال الآني تركت له الساحة ليختار ما يشاء من النظريات وينشغل بها مع بقية أهل الأرض وتتحقق مهمتنا بسلام، من كل الاحتمالات التي شاهدناها لمستقبل هذا الكوكب لم يكن هناك غير هذا الحل، الإلهاء هو حقًا خير وسيلة لتنفيذ ما تريد بدون أن تتأثر العملية الأساسية..
اتفق معه رفيقه وهو يتابع تغير البيانات التي تتوالى على الشاشة:
-تتجه الآن الأمور إلى الاستقرار وهذا المسار الزمني قائم في اتجاهه الصحيح، ما يجهله سكان الكوكب أن التوازن في الكون يقتضي من الأبعاد العليا أن تتدخل أحيانا كي لا تطغى طاقة الظلام بدون أن تترك أثرًا يذكر، فللنور حراس وجنود موجهين من الخالق الأعظم سبحانه، والله متم نوره ولو كَرِهَ من كَرِهْ..
كلاهما يصنف من كيانات البعد السابع، وفي فيزياء الكم هذا يعني أن المسارات الزمنية يتاح دراستها ولذلك آلية معقدة قد لا يفهمها سكان الأرض قلب الكون حتى وإن ارتقت الأرض لأبعاد عليا فيظل وعي سكانها لا يتجاوز ما جُبلوا عليه..
انتهت المهمة بنجاح وانشغل الناس في الأرض بقضية بهاء الغريبة، وتم الحفاظ على سرية هوية إنسان، إنسان سيغير مسار الكوكب للأفضل، سيعيد لقلب الكون مكانته ويهيأ الأرض لعصر جديد من السلام والحب والارتقاء..
(7)
الساعة 1:51 ص في يوم التقاط مخالفة السيارة، تعطلت سيارة بجانب جهاز الرادار، الشرطي الذي كان من المفترض أن يباشر الحالة تركها وانطلق في مطاردة مجنونة مع سيارة تقود بسرعة الريح، لاحظت سيارة أخرى هذا الموقف ونزل قائدها البرفسور في أبحاث الطاقة البديلة ليرى شابة حسناء خجلى تقف في توتر بجوار مركبتها، عرض عليها المساعدة فوافقت على استحياء، واشتعل أثير الحب في الأجواء وتلاقت النظرات بعمق قد تغوص فيه مجرات من المشاعر المتوهجة، نظرات ستنتج مستقبلا عن مولد شاب يحمل التغيير بإذن رب العالمين، لقاء لم يكن ليحدث لو توقف الشرطي لمساعدة الفتاة، ومضى البرفسور في سبيله مفكرا في البقاء في وطنه أو الهجرة لبلد آخر يرعاه بلا عودة..

رائع دائما ابا خالد ،،، ربي يحفظك ويوفقك اخوية الغالي
دكتورنا الجميل