
جلس بخيلاء في منتصف بهو المنزل، تلفت ببطء يمنة ويسرة يعاين حال الأثاث الفاخر والديكور الحديث، زم شفتيه ازدراء وهو يفكر في كيفية إعادة كل شيء لسابق عهده، قريبا سيتحول هذا البيت والبيوت التي حوله إلى قصر منيف، تذكر آخر كلمة قالها لصاحب المنزل هذا المساء قبل أن يتم البيع:
-أُودع المبلغ المطلوب في حسابك، لا أريد أن يعلم أحد بهذا الترتيب بيننا، خذ المال وانسَ هذا المكان للأبد..
كانت ردة فعل المالك متوقعة، مبلغ كهذا يساوي قيمة المنزل عشر مرات على الأقل فأخذ كل ما يخصه وغادر، كذلك فعل كل أصحاب تلك القرية الحدودية، خرجوا جميعا منها يبحثون عن مكان أفضل يأويهم وذويهم، وباتت القرية خاوية على عروشها..
صعد المالك الجديد إلى سطح المنزل، يمم وجهه شطر الغرب حيث نجوم أورايون الثلاثة تصطف جنبا إلى جنب، تناثرت ذكريات عدة في مخيلته أيام كان هناك بالأعلى وذكريات أخرى مع ملوك وكهنة وأهرامات، أغمض عينيه طويلا وهو يستنشق رائحة الأرض في تلك القرية التي صمتت رغما عنها، عادت له أعوام طفولته في هذا المكان قبل أن تطردهم الملائكة إلى البحر..
فتح عينيه اللتين امتلئتا بالسواد، صاح صيحة لا يسمعها البشر، ينادي قومه ليعودوا للأرض التي احتضنتهم من قبل، سيكتشف البشر أن المبالغ التي أودعت هي محض وهم سحر أعينهم، وإن عادوا للقرية لن يجدوا سوى الرمال، وإن مكثوا فيها ساعة ستخيفهم أصوات البوم والذئاب والحيّات، هذه فقط الخطوة الأولى لاستعادة ما ضاع من قومه، مجرد خطوة..
