رحلة كتاب ولد مرتين

هل مرّ بك شعور أن عملك الأول وُلد مشوَّهًا إلى حد ما؟

لم أكن أتوقع أن تبدأ رحلتي مع الكتابة في الخامسة والثلاثين من عمري. لا تُعلن موهبة الكتابة عن نفسها دائمًا في وقت مبكر. بعض الكُتّاب يكتشفونها منذ الطفولة من خلال فضولهم وميلهم إلى المراقبة ورغبتهم في سرد ما يرونه حولهم. لكن آخرين يصلون إلى الكتابة في مراحل متأخرة من حياتهم، بعد سنوات طويلة امتلأت بالقراءة والتجارب والتأمل. تلك السنوات تبدو صامتة في ظاهرها، لكنها تجمع ببطء الوقود الذي سيشعل لاحقًا شرارة الإبداع.

أعتبر نفسي من هذه الفئة التي بدأت متأخرًا، وقبل ذلك بسنوات مررت بتجربة مرض مبكرة تركت أثرًا عميقًا في حياتي، لكنني تعافيت بفضل الله ثم بدعم عائلتي وأصدقائي. بعد تلك المرحلة سافرت مع زوجتي إلى الولايات المتحدة لمواصلة الدراسة، وهناك بدأت الكتابة تأخذ مكانًا مختلفًا في حياتي.

لم أكن قد كتبت بجدية من قبل، لكن القراءة كانت جزءًا أصيلًا من عالمي منذ الصغر. قرأت آلاف الكتب وشاهدت عددًا هائلًا من الأعمال السينمائية، وكانت القصص بأشكالها المختلفة تسكن خيالي منذ سنوات. ومع تشجيع بعض الأصدقاء، قررت أخيرًا خوض تجربة كتابة ونشر كتابي الأول.

وكما يحدث مع كثير من الكُتّاب، استغرقت كتابة ذلك الكتاب أشهرًا من التفكير والمراجعة. فالكتاب ليس مجرد نص يُكتب، بل تجربة يسكب فيها الكاتب شيئًا من تأملاته وأسئلته وذكرياته، على أمل أن يجد قارئًا يشعر بأن تلك الكلمات تمس جزءًا من تجربته هو أيضًا.

عندما أصبح كتابي الأول جاهزًا للنشر، صدر بعنوان «اعترافات متأخرة» عن دار نشر سعودية كانت تطبع كتبها في مصر. لكن البداية التي تخيلتها لحظة فرح تحولت إلى تجربة معقدة وغير متوقعة. نشب خلاف بين دار النشر والمطبعة، وتواصل معي مدير المطبعة مطالبًا بمبلغ إضافي لإكمال الطباعة. وبما أن اتفاقي كان مع الناشر فقط، رفضت ذلك الطلب. فتوقفت الطباعة لفترة، وبقي الكتاب معلقًا بين الانتظار والقلق.

لاحقًا حُلّ الخلاف بشكل ودي، وتسلمت أربعمائة نسخة من الكتاب. لكن الشعور الذي رافق تلك اللحظة لم يكن كما توقعت. بدا لي وكأن عملي الأول خرج إلى العالم ناقصًا أو باهتًا، وكأن ولادته لم تكتمل كما ينبغي.

تلك اللحظة كادت أن تكون نهاية رحلتي مع الكتابة. كنت أقترب من الأربعين وأشعر أنني بدأت متأخرًا وربما أفشل مبكرًا. لكن شيئًا ما في داخلي دفعني إلى الاستمرار. خلال الأشهر التالية كتبت عددًا من القصص القصيرة، وتمكنت من نشر ثلاثة كتب خلال أقل من عشرين شهرًا. وتحولت الكتابة بالنسبة لي إلى مساحة للتعويض، وإلى طريقة هادئة لمقاومة الإحباط.

ثم جاءت جائحة كورونا، وتغير العالم كله تقريبًا، بما في ذلك عالم النشر والكتب. في تلك الفترة انتقلت إلى ماليزيا لمواصلة دراستي العليا، وانشغلت بالحياة الأكاديمية والغربة وضغوطها. خفَتَ حضور الكتابة قليلًا، ولم تعد تظهر إلا في شذرات متناثرة وملاحظات قصيرة.

لكن تلك العزلة حملت معها شيئًا آخر: مساحة واسعة للتأمل.

بدأت ذكريات وتجارب قديمة تطفو إلى السطح: المرض، وخيبات الأمل، وأسئلة العلاقات الإنسانية، وما تعلمته منها عبر السنوات. شعرت وكأن تلك التجارب كلها تحاول أن تُفهم من جديد. ومع مرور الوقت، تغيرت نظرتي للحياة وللكتابة معًا.

بعد أعوام من ذلك، وبعد محاولات عديدة لإعادة النظر في ما كتبته، أتيحت لي فرصة المشاركة في برنامج «معتزلات الكتابة» الذي تنظمه هيئة الأدب والنشر والترجمة في السعودية. يوفر البرنامج للكتّاب عزلة هادئة ووقتًا مخصصًا للعمل على مشاريعهم الأدبية.

وهناك عدت إلى كتابي الأول.

لكنني لم أرد أن أعيد نشره كما هو. قررت أن أعيد بناءه من جديد.

ما كان في البداية مجموعة تضم تسعين نصًا فقط، تحول خلال السنوات إلى أكثر من ثلاثمائة نص كتبتها عبر مراحل مختلفة من حياتي. لم يعد العمل كتابًا واحدًا، بل رحلة مؤلفة من ثلاثة أجزاء متصلة تعكس تحولات داخلية مررت بها.

واخترت لكل جزء لونًا يرمز إلى مرحلته.

يرمز الماجينتا إلى عالم الحب المشروط وعلاقات الإنسان في واقعنا المعاصر.

أما الإنديجو فيمثل العزلة والارتباك ومحاولة استعادة الذات بعد انهيار بعض الأوهام.

بينما يعبر الإيميرالد عن مرحلة التأمل والتصالح الداخلي، وعن فكرة الحب اللامشروط التي تبدأ من تقبل الإنسان لنفسه وتمتد إلى العالم من حوله.

هكذا وُلد الكتاب بصورته الجديدة بعنوان «بالتة: روح تحيا بالألوان» عن دار يسطرون للنشر.

عندما أنظر اليوم إلى هذه الرحلة، أرى أن الكتاب لم يبدأ بالنجاح بل بالخذلان. لكنه مع مرور الوقت تحوّل إلى تجربة طويلة من المراجعة والنضج. وربما يشبه ذلك رحلة الحياة نفسها: انتقال بطيء من الحيرة إلى الوضوح، ومن التجارب المتفرقة إلى المعنى الذي نحاول التعبير عنه بالكلمات.

لم يعد «بالتة» بالنسبة لي مجرد كتاب، بل سجلًّا لتحولات امتدت لسنوات؛ من بداية متعثرة إلى عمل أعيد تشكيله مرارًا حتى وجد صورته الأخيرة. أدركت خلال هذه الرحلة أن الكتابة ليست لحظة إلهام عابرة، بل مسار طويل من التجربة والمراجعة وإعادة الاكتشاف. وربما لهذا السبب لا يُولد بعض الكتب مرة واحدة، بل يولد مرات عديدة حتى يصبح قريبًا من الفكرة التي حلم بها الكاتب..

أضف تعليق