
(1)
الحادية عشر ظهرًا، تميل الشمس باتجاه الجنوب متعامدة على قمم الجبال والأمواج ورؤوس الخلق، يتدنى حد احتمال الناس لأي نقاش، يتسارع الباعة للتخلص من بضائعهم الطازجة لئلا تذوي، ويتجول منتهزو الفرص بينهم للبحث عن أقل سعر ممكن ليأخذوا ما لديهم ويبيعوه على أطراف السوق لرواده المتعجلين لعلهم يكسبون قرشًا أو اثنين كهامش ربح معقول يكفيهم لتدوير عملياتهم التجارية ليوم آخر على الأقل ويكفيهم قوت يومهم وقد يزيد..
وهناك باعة (المغاش) و(الصحفات) والأواني الفخارية المدهونة بالقطران في طرف السوق الأقصى أمام المسجد الحجري القديم، يقضون وقتهم يتداولون شعر (الطارق) وردوده الشهيرة فيما بينهم ويتحدون بعضهم البعض، بينما خلف المسجد في زاوية صغيرة من الظل تقبع امرأة عجوز غارت عيناها وبجوارها كلبتين سوداوين تلهثان طردًا لرطوبة الجو الحار..
تبيع هذه المرأة نوعًا مختلفاً من الإبداع لروادها القلائل، نوعًا مخصصًا من القصص الخرافية التي حورت عبر الأزمان لتصل لمسامع الأطفال عبر أمهاتهم وجداتهم ونساء القبيلة وخيالهن الواسع، قصصًا لا تْحكى إلا ليلًا على (القعايد) بصحبة الفوانيس و(المناوسات) وهدهدة الأطفال لأنفسهم في (الهناديل) والتماعة الأنجم في السماء وهدير الإبل، تبيع هذه المرأة (الخرفينة) بما يقابلها من (خرافين) أو عظمًا لكلبتيها وقد تطلب مؤونة لها أو أعشابًا عطرية تتذكر بها زمنًا غابرًا لن يعود، ثم تنتقل بشكل شبه يومي من سوق شعبي لآخر تحمل بضاعتها الشفاهية لتفرغها في آذان اللواتي يرغبن بقصص الجانب الآخر، وتعود بعدها لتقضي المساء برفقة الليل وبنات جنسها والقمر..
إقرأ المزيد








