الثواني الأخيرة قبل الفرح

تروقني اللحظات الأخيرة قبل أي إنجاز، البروفة النهائية لأغنية قبل إتمام التسجيل، الصفحة الختامية لرواية قبل إرسالها للنشر، الرتوش الناعمة على لوحة منتهية قبل العودة خطوات وتأملها بحب، طباعة بحث التخرج، آخر خمس أمتار في السباق، النوارس في عيني بحار قبل الوصول لأرض الوطن

ترمُّد

‫كانوا معي كحطاب يحمل قطعة خشب، انتزعوني من أصلي يوم أعماني بريق فؤوسهم، وأحرقوني بتجاهلهم حتى تجمرت يأساً فاقتربوا مني للدفء، مضت تلك الليلة وأنا مفتون برؤية أنفاسهم، وعندما ترمدت، أطفؤوا ما تبقى من جذوتي وبحثوا عن آخر ليشعلوه، بينما انتظرت هطول المطر لأغوص بحثاً عن جذور حياة.. ‬

مذيب أفكار

‎‫كيف ستعيش الفرشاة بلا مذيب للألوان؟!‬

‎ستختنق بآخر لون، ستتجمد شعيراتها وتغدو بلا ملامح، حتى إن ربتنا عليها سيتساقط اللون متفتتاً كجدار قديم

‎هكذا الأفكار في عقولنا تحتاج للكتب، لما يذيب اعتقاداتنا

ويكسبها ألواناً أزهى

اعتذار يحمله الهواء

‫أعتذر للحجر الذي فرقته عن عائلته، ولصفحة الماء التي انتهكت سكونها، وللتموجات التي اعتقدت أن المطر هطل، وللسمكة التي كانت تفكر فوقع الحجر على رأسها، ولقاعٍ يئن من ساكنيه الذين هبطوا ذات يوم ولم يعودوا‬

إنديجو

الانطوائيون يحسبونني اجتماعياً والمجتمع يراني منعزلاً كذئب، الصاخبون يستنكرون صمتي، بينما الهادئون يتضجرون من ثرثرتي، المحافظون يستعيذون من تحرري ‬والمتحررون يبنون الحواجز معي

وأنا عالق

كالإنديجو في قوس المطر، لا يعلم أهو أزرق أم بنفسجي أم أسود؟!

عصيٌ على الفهم

غير قابل للتصنيف

متاهة

‏السر للخروج من أي متاهة

‏هو أن تضع يدك على الجدار حال دخولها وتستمر في ملامسته إلى أن تخرج بأمان

‏كذلك القراءة

‏تضع يدك على السطر

‏وكأنك تمسك بيد المؤلف

‏سطر يتلوه سطر

‏إلى أن تخرج من متاهة الكتاب الممتعة

‏زينوا متاهاتكم معشر الكُتّاب

‏فكلما طال وقت مكوثنا فيها

‏ترسخت التجربة في الذاكرة

الواقع خلف عينيّ

أريد أن أرجع عقارب الساعة إلى الوراء، فنشيخ في الطريق إلى الطفولة، ونفترق ثم نحب بعضنا، وتغرب الشمس ليبدأ يومنا إلى الشروق وننام عدى حبيباً ساهراً يتغنى بنجمة النهار..

أن أعيد تشكيل الواقع كما تراه عينان إضافيتان خلف رأسي، فتصبح حوريات البحر برأس سمكة وأرجل فتاة، وتطارد الغزلان الأسود، وتنجذب الفراشات إلى العتمة، وتتنفس الغابات الأكسجين، وتنتحر قطرات المطر سقوطاً لتهرب من سجن السحابة..

أود لو أن الأرض تتمرد فتذهب للأعلى وتطرد السماء للاسفل، وتنقلب الموازين فيعشق آدميٍ جنية ويتلبسها، ونرى فزاعة تطعم الغربان وتنيناً ينفث الماء، ونملة تعيد قطع السكر التي تساقطت من كوبي..

هوس الترتيب

أزور غرفة مكتبي كل مساء، كتبي مرتبة في رفوف أنيقة، أوراقي وأقلامي موضوعة بعناية على سطح المكتب، أجلس على الكرسي وأراقب حاجياتي وقد أعدل ما أظنه يقرّبها من الكمال..

‏بذات الطريقة أعامل الناس من حولي، أصدقاء على الرف أتصفح ملامحهم من حين لآخر، أحبة في إطارات صور بقلبي..

كلما جفت روحي لجأت إلى العزلة ممنياً نفسي بأن لا شيء سيتغير، لكنهم يتغيرون، يتساقطون من الرف، يختفون من الإطارات، يجن جنوني فأعيد ترتيب الغرفة، أبذل جهداً خيالياً لإعادتهم إلى أماكنهم ثم أعود لعزلتي لأستمد الطاقة من معين روحي الذي لا ينضب..

‏هذه المرة لو عبثوا بغرفتي فلن أعود..

القطة التي التهمت أحلامي

الخدوش أسفل باب غرفتي هي توثيق لمحاولات قطة أختي لدخولها، بعض العابرين كذلك يخدشون قلبي بمحاولاتهم الفضولية..

أول ما يبادرك بعد دخولك هو السجادة الفاخرة التي لا أجرؤ على السير عليها، أخرجها لدقائق كي أتأمل نقوشها وأتخيل تمددي عليها ثم أعيدها إلى الدولاب المعدني، تماماً مثلما أرى جارتي كل صباح وهي تطعم العصافير فأتحول لعصفور قبل أن أطوي الحلم وأعيده إلى درج أحلامي المستحيلة..

دولابي مصنوع من معدن قبيح، ربما كان أصله إنساناً فظاً لا يصدأ، فالناس معادن وكل المعادن قبيحة لأنها ليست كالجواهر النادرة، لو أن دولابي حجر كريم لكان كأميرات القصص الخيالية اللواتي يتأملن حسنهن في المرآة حتى يغار انعكاسهن ويقرر التمرد..

أما مرآتي فمحظوظة بي، فأنا أخجل من النظر إليها رحمة بها، لكن انعكاسي المسالم يطالعني وأنا عند النافذة أراقب جارتي ويشفق علي وأنا أتقلب في سريري، أظنه هو من أخذ أحلامي من الدرج وأطعمها للقطة التي تعتقد أنني عصفور ناطق وتريد أن تحمي أختي مني..

مجرد نقطة

نقطة على السطر:

ماذا لو كان أحد أجدادك ملكاً، أو فارساً، أو ساحراً؟!

هل سيغير ذلك من واقعك أي شيء؟!

هل السطر الذي أنت فيه امتداد لهم..

نقطة بين سطرين:

ماذا لو كنت تنحدر من قبيلة يهودية؟!

تأتيك منامات ترى فيها حروفاً عبرية تقودك إلى معبد لا يدخله إلا المختارون فقط؟!

وكل من خرج عن السطرين تم نفيه..

نقطة خارج السطر:

هل تم اختيارك؟!

هل كونك مسلماً أو عربياً إضافة إلى مسارك أم مجرد صدفة؟!

لماذا تهتم أصلاً؟!

نقطة قالت لصاحبها (لا تدعني):

لا أؤمن بالصدف

ولا بالنقاط العنصرية التي تريدني أفضل من البقية لأنها ولدت في سطر مختلف..

نقطة من أول السطر في صفحة مختلفة:

السطر لي وحدي لأبدؤه ولا حدود لرحلتي إلا السماء..

نقطة متمردة:

اقرأ ما بين السطور