بانشي … (من الأساطير الجيزانية)

IMG_3485

(1)

جلست القرفصاء تتأمل بعض الزهور اليانعة بالقرب من باحة منزلهم، تتمايل بنعومة مع الريح الخفيفة كلما تمايلت تلك الزهور، تنتظر طوال اليوم لحظة المغيب هذه كي تستمتع بالنظر إلى حقل والدها حيث تنساب الطبيعة بألوانها الزاهية بتدرجات حمراء وخضراء وصفراء إلى عينيها الرماديتين الجميلتين اللتان تشبهان عيني جدتها الجبلية ..
سمعت فجأة صيحة عجيبة باتجاه حقل جارهم، أشبه بصوت طائر جريح أو مأسور، اتجهت سريعا بخطواتها القصيرة إلى مصدر الصوت ..

رأت طائرا غريبا رمادي اللون وكأنه انعكاس المرآة للون عينيها، ملامحه خليط بين البومة والقنفذ، يقف فوق شاة ميتة وبدا عليه كأنه مقيد فيها، اقتربت قليلا بينما زادت وتسارعت صيحاته مرفرفا بجناحيه الكبيرين في وجهها، مخالبه وكأنها التفت بخيط رفيع محكم في فراء الشاة، عالجته قليلا بيديها الضئيلتين فتحرر الطير وانطلق نحو قرص الشمس الموشك على المغيب مطلقا صيحات متتابعة مخيفة..
أقبل جارها المسن يلوح بهراوته ويطلق أنواع الشتائم تجاه الطير، التفت نحوها بنظرة صارمة معلنا عن عدم رضاه عن تصرفها الغير مسؤول بإطلاق طير (امخيبة) المشؤوم الذي قتل العديد من مواشيه ..
عادت تبكي إلى جدتها وحكت لها ما جرى، سألتها عن (امخيبة) وماذا تعني فقصت عليها قصصا تداولتها أجيال عن هذا الطير الذي إذا وقف على ماشية قتلها وإذا سمعوا صوته في ليلة كان نذيرا لهم بوفاة أحد سكان القرية وإذا تتابعت الأصوات فهو نذير وفاة شخص عظيم ..
****

البانشي (بالإنجليزية: Banshee) (بالغالية: Bean Sìdhe) وتعني الجنية وهي موجودة في الفلكلور الأسكتلندي والإيرلندي وهي جنية أو روح تظهر على شكل امرأة تنوح أو طير كالبومة يصيح وهذا علامة على أن أحد أفرادها سيموت ..

(2)

للمرة العاشرة على ما تذكر هذا الصباح وربما أكثر تقرأ رسالته الأخيرة لها، قد شغف قلبها به حبا وتعلقت به، بدأت علاقتهما الكترونيا في مواقع التواصل الاجتماعي ثم تطورت إلى تبادل أرقام الجوالات والآن وصلت معه لمرحلة جديدة وهي اللقاء لأول مرة ..
لم تعرف أحدا قبله ولا تريد معرفة أحد بعده، هو المبتدأ والمنتهى بالنسبة لها وتعشقه فوق العشق إن كان للعشق حدود، كم قد قضت من ليالٍ تقرأ وتقلب مرارا حديثه المعسول ورسائله الحالمة، اتفقا سوية على الزواج لكنه اشترط عليها إما رؤية صورتها أو مقابلتها في أحد المولات الشهيرة بجيزان، كلاهما لا يزالا طالبين في الجامعة ومن قريتين مختلفين لكن ذلك لن يمنع ارتباطهما، هي واثقة من هذا ..
حددت له الموعد على اليوم صباحا، ستخرج مع زميلاتها وهناك ستقابله عند المقهى الشهير بالدور الثالث، ستجلب معها حقيبتها الوردية الفخمة التي أهدتها لها جدتها وستكون هي العلامة التي سيتعرف بها عليها ..
قبلت رأس والديها وجدتها التي تسكن معهم منذ توفي جدها قبل أعوام، لا تتخيل بيتهم بدونها فهي ريحانة البيت وبركته، يجمع الكل على الشبه الكبير بينهن وكأنها ورثت عيناها الرماديتين الفاتنتين، تود أن تكون ولو بشطر جمالها وحسنها، حتى والدها يقول لها يا (جمانة) أنت نسخة مصغرة من جدتك (فاطمة) ..
وضعت راحتيها بين راحتي جدتها وهي تسألها إن كانت تحتاج لأي شيء تحضره معها، ابتسمت لها بحنان ودعت لها بأن يحفظها الله من كل شر ومكروه وأن يبعد عنها السوء وأهله، كررت الدعاء حتى شكت بأن جدتها تعلم بلقائها مع حبيبها اليوم، هي جرأة غير محسوبة منها ولكنها مضطرة حتى تثبت له جديتها بمواصلة علاقتهما إلى أن يجتمعان سوية في منزل أحلامهما ..
وصلت إلى مكان الالتقاء، انقضى الصباح ببطء شديد نتيجة لهفتها على هذا الموعد، لمحت أثناء صعودها إلى الدور الثالث امرأة باهرة الحسن بجوارها، ملامحها أشبه بالأوروبيات، بالتأكيد هي أجنبية وإلا ارتدت النقاب مثلهن ..
جلست مع زميلاتها في طاولة قريبة من المقهى، أرسلت لحبيبها وهي تطالع في كل الجهات عله يراها، تحفظ ملامحه الوسيمة جيدا من مسامرتهاالليلية لصوره الأنيقة، التقت نظراتها بتلك المرأة الجميلة وهي تتمعن فيها بنظرات حادة نفذت إلى أعماق روحها، حاولت تجاهلها لكن شعورا بالفضول والرهبة انتابها، مرت دقائق ولا أثر لحبيبها ولا تزال تلك المرأة تمعن النظر فيها فقررت تغيير مكانها في الطاولة ولكن بدون فائدة وكأن المرأة تراقبها أو تريد شيئا منها ..
ذهبت إليها لتستفسر منها عن سر نظراتها المريبة، فانتبهت إلى رفيقها يبحث عنها فابتسمت لا شعوريا برغم أنه لا أحد يرى ابتسامتها وتجاهلت فضولها لمعرفة سر تلك المرأة ..
توجهت إليه بخطوات مضطربة مشوبة بالحذر واللهفة في آن واحد، لقد تجاوزت حدودها كثيرا هذا اليوم ولكن كل ذلك من أجل أن تُطمئن قلبه وتثبت محبتها له ..
لاحظت تلك المرأة تسير بمحاذاتها وتقف أيضا عندما تقف، شكت في الأمر فعادت سريعا إلى الطاولة لترسل له رسالة كي يأتيها بالقرب منها..
انطفأ جهازها قبل انتهائها من الكتابة، استغربت نفاذ البطارية برغم أنها متأكدة من اكتمال شحنها هذا الصباح، رفعت رأسها تبحث عنه فاصطدمت نظراتها مجددا بتلك المرأة الغريبة، قررت النزول للأسفل لعلها تقابله هناك ..

(3)

انتظرت لدقائق عند البوابة الخلفية للمول، أشاحت بنظرها عن تلك المرأة التي تلاحقها بإصرار وإن كانت على مسافة لا بأس بها، تساءلت إن كانت تتخيلها فقط، قطع تساؤلاتها صوت جلبة ومشاجرة من حولها فرأت رجال الأمن ومعهم بعض رجال الهيئة يقودون شابين متهمين بمعاكسة الفتيات، تمعنت قليلا في الموقف فخيل لها وكأن قلبها سيسقط من علو، ما الذي يفعله حبيبها معهم ولماذا قبضوا عليه، هي واثقة من أن هناك لبسا في الموضوع، ستتأكد أكثر عندما تعود للمنزل وتشحن جوالها وتراسله ..
نزلن زميلاتها يبحثن عنها واتصلن على سائق الباص ليقلهن إلى بيوتهن، اقتربت منها المرأة الغامضة قبل خروجهن، تكاد تقسم أنها رأتها تبتسم ثم توجهت لحال سبيلها ..
مضى الوقت سريعا إلى أن وصلت للمنزل، فكرت في حبيبها وذلك المشهد المثير للجدل، هل كان شرا صرف عنها أم سوء تفاهم، عجزت عن تفسير سلوك تلك المرأة التي ما فتأت تضايقها بنظراتها ..
دخلت وسلمت على جدتها التي احتضنتها بحنان ثم صعدت لغرفتها وضعت جوالها في الشاحن بجوارها واستلقت على سريرها تبتغي قسطا من الراحة بعد هذا اليوم المفعم بالأحداث ..

(4)

التقت الجدة (فاطمة) في جلستها المعتادة في المدخل الخلفي للمنزل قبيل الغروب بتلك المرأة الفاتنة التي طرقت الباب تود محادثتها، ضيفتها وسألتها عن مبتغاها، استمعت لما حصل مع حفيدتها فشكرتها كثيرا على مراقبتها وصونها لها من غير علمها، قامت المرأة واحتضنتها وهي تذكرها بأنها ليست سوى استجابة لدعواتها المتكررة وجند من جنود الخالق يسخره لعباده الصالحين وأنها لم ولن تنس يوم حررتها وهي طفلة قبل عقود طويلة من أسر ذلك الشيخ المسن، ولقد آن الأوان لها أن تودع عائلتها ..
استيقظت (جمانة) فزعة على صوت نواح ونحيب متواصل سمعتها كل القرية، رأت من نافذتها بومة بيضاء كالثلج تطير في الأرجاء، انقبض قلبها فارتجفت وسارعت مرعوبة إلى غرفة جدتها ..

(تمت بحمدالله)

7 thoughts on “بانشي … (من الأساطير الجيزانية)

  1. خطوآت ملكَةة ♚♔ كتب:

    جميل م دونته أناملك ي أستاذي
    ب انتظار عودة وجودك
    قصتك لامست شئ ب قلبي 😊
    ادام الله لنا امهاتنا و دعواتهم لنا
    و سخر لنا من يدعون لنا ب الخفاءء
    حفظني الله و اياك و الجميع من كل شر
    يارب ❤️

  2. Farstar2015 كتب:

    اول مرة اسمع بهالاسطورة
    كالعادة تبهرنا ب اساطير و حكايا جديدة
    Keep going
    💜

  3. عائشة اليامية كتب:

    جميل الربط بين الزمن القديم والحديث بأسطورة واحدة تعطيك شعور بخلودها 💖

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s