رسائل مني إليّ..

إلى وليد

بتاريخ 15/5/1978

يومان قبل ولادتي

“أمامك حياة حافلة، لا تثق جِدًا، أو تعطي جِدًا، أو تتفائل جِدًا، فتحزن جِدًا جِدًا جِدًا.. توازن وتعلّم وتطوّر ما استطعت..”

إلى وليد

بعد خمسة أعوام من وفاتي

“قلت لك، لن يتذكرك من أفنيت وقتك لإرضائهم، لن تشفع لك اختياراتك، لن يرضوا عنك وإن صببت العسل في أفواههم، لن يرحمك سوى من نفخ النور فيك، لكن يكفيك أنك تركت أثرًا يُروى خلفك..”

إلى وليد

في العالم الموازي

الطبيب الذي انفصل عني ورفض قرار استسلامي واستمر في مفترق الطريق

“لو كنت فقط أعلم الوصفة التي ساعدتك للاستمرار، ربما كنت مثلك، ولكنني كنت سأفقدني حينها، فحلم الطبيب الذي فقدته أرشدني لأحلام عدّة ومواقف عدّة وذكريات لا حصر لها، شكرًا لأنك لم تستسلم وأصبحت طبيبًا، وشكرًا لأنني لم أستسلم وأصبحت أنا..”

إلى وليد

بطل الرواية التي كتبها أحدهم فاعتقدت أنني شخص حقيقي

” مرهق أن نقفز عبر الصفحات نبحث عن منفذ إلى العالم، في كل مرة تفادينا رغبة الكاتب في اغتيالنا أو تحويلنا إلى شهداء ليُثبت صحة قناعاته عن التضحية، كُنا تتملص بين الأسطر، نحمل خيوط العوالم بين أيدينا نفرزها لنعود إلى خيط حياتنا الحقيقية، علينا أن نعود قبل أن تنتهي الرواية وتُطوى الصفحات ويُوضع الكتاب في مكتبة لا يزورها أحد”

النجاة من فخ الكتابة..

ما أن يحط الكاتب رحاله عند حدود الكتابة، تتحول الأفكار إلى غابة موحشة مظلمة تحتاج لرحالة خبير في الملاحة ليجتاز هذه الأفكار والأشواك والأفخاخ، وكذلك لكي يخرج منها سليمًا قادرًا على الصعود للقمم التي ستتضح ملامحها حالما يجد ضالته في غابة الأفكار..

هذه وصايا للحفاظ على ثباتك العقلي وتدريب مهاراتك ومرونتك، لتلتقط الأفكار وتتفادى الأخطار عليك أن تكون مستعدًا كما تعلمنا في الكشافة قبل خوض الرحلات البرية..

أول وصية هي: وجّه بوصلتك..
الشمال هو الخيال والجنوب هو الواقع، وما بينهما 360 درجة من الإبداع، أينما توجهت ستصل، لكن حدد أولًا، ماذا سأكتب؟! لمن سأكتب؟! كيف سأكتب؟! متى سأكتب؟! ولماذا سأكتب؟!
إن حددت الاتجاه ستوصلك البوصلة بسلام، لا تنس الاسترشاد بالنجوم إن استطعت، فهناك كُتّاب اختاروا السماء وجهتهم وكانوا مصابيح لمن بعدهم..
احذر من فخاخ النجوم المزيفة ودور النشر الاستغلالية..

إقرأ المزيد

غنائم نصر وذكرى لم أعشها قبلًا

شعور لم آلفه من قبل، شعور الحياة السابقة، القصة المختبئة بداخلي من قبل ولادتي، الإشارات الكونية التي تومض كنجم ثاقب لتخترق عقلي الباطن وتزور أحلامي بل وتهاجمها إن قاومت، وما أشعل شعوري هو ذلك المشهد الذي رأيته رأي العين قبيل لحظات رغم أنه لم يحدث في الواقع، رايتك مستلقية على جانبك أمامي، تلاقت عينانا، شعرت بحنين لا يوصف، ضممتك بحب العالم لصدري وتنهدنا، هذا المشهد الذي استمر لثوانِ وأنا أنظر ساهمًا إلى الفراغ، مشهد قد تم جلبه من مذكرات لم أكتبها، كان إحساس ذكرى حقيقية لكنني لا أذكرها، عشتها ولم أعشها، ما زال لمعان عينيك يرشدني إلى ذاتي، وابتسامتك فيها تذيب قلبي الذي تجمد من دونك، ورائحة شعرك وأنت في حضني تدغدغ دموعي وتغريها للنزول..

انهرت فجأة عندما عدت للواقع، بكيت بحرقة لم أعهدها عني، ما الذي يجري؟! أنا بخير، لست حزينا، لماذا هذا الهطول والانهمار وكأن سدًّا بداخلي تم تدميره، قمت لأسير وعقلي يحاول السيطرة على الموقف، أسير وهناك صراع عجيب على من يستحق شارة القيادة، عقلي يريد ان يعود للسيطرة فليس هناك داعِ للانهيار، وروحي تقول لن أسمح لأحد أن يحجمني بعد اليوم ولا حتى هذا الجسد الأرضي، شرارة حرب انطفأت قبل أن تندلع، انتصرت فيها روحي، فمن يتسلح بعينيك وابتسامتك لا بد أن ينتصر، وغنائم النصر يا رفيقتي، بقايا عطرك في صدري..

البطل الذي لا يُمس

عشت ما يشبه أفلام الأكشن المبتذلة، استدعتني روحي لمهمة أخيرة أنقذها فيها، الصحوة الروحية الكبرى، لطالما استنزفني العالم الخارجي وعشت حروبًا طاحنة لأنقذ روحي في كل مرة، كانت الليالي السوداء للروح والصواعق الكارمية تهجم علي واحدة تلو الأخرى تماما كما الأشرار في الأفلام فلا يهجمون دفعة واحدة بل يتخطفهم البطل الذي لا يُمس بقبضته فردًا فردًا بينما ينتظر البقية دورهم..

استطعت تجاوزهم بصعوبة لأصطدم بأكبر عقبة، الإيجو المتصاعد بداخلي، إما أكسره أو يكسرني، الروح لا تجيد التعامل مع ارتفاع الإيجو بل تنهزم وتنزوي، ولأنه خصم قوي مهمته في الحياة أن يقدم لي دروسًا مجانية في حب الذات عوضًا عن النرجسية فاكتفيت بإخراسه وإيصاله لمرحلة الاتزان بدلًا من قتله، تمام كالشرير الرئيسي في الفيلم نقبض عليه ولا نقتله فالأبطال لا يقتلون أعداءهم كما تعلمون..

ولكوني بطلٌ لا يُمس ولا تهزمه الدموع وبقايا الاكتئاب، استيقظت على تكات الساعة الأخيرة قبل أن ينفجر صوت المنبه في أذني، وعادت روحي لمكانها ووعدتني أن تتركني أعود لعزلتي بسلام..

قبل أن يعيدوا نظاراتهم إلى أماكنها..

هناك نظارة خفية نرتديها لرؤية الأشياء البعيدة عن متناولنا، نظرة انبهار ممزوجة بفضول وشغف لمعرفة المزيد، منتج ما يتحدث الكل عنه ونحن لا نعرفه، شخص معين قد يكون مشهورًا أو مغتربًا أو لديه حضور طاغٍ، شيء ما بداخلنا يريد أن يكتشف هذا المجهول، نقترب منه، نلمسه بلا تحفظ كسائر على الماء لا يخشى البلل..

ما أن يقترب منا ونراه، تزول الهالة، نضع النظارة في جيبنا، ما أن أصبح في المتناول حتى فقد قيمته، ليس هناك من جديد لنعرفه عنه، ربما هناك حكمة في وضع حاجز أمام اللوحات الثمينة في المتاحف كي لا نقترب ونرى التشققات التي اعترتها، لم يرحمها الزمن فسُخر لها من يضع حواجزًا تعيد النظرة الأولى..

وصفني أحدهم بأنني (غامض)، ربما، لا أعلم إن كان غموضًا أم حفاظًا على حاجز وهمي يمنعهم من اكتشاف ما أنا عليه حقًا كإنسان، ربما أن الغربة كانت عاملًا مهمًا يغريهم بالاقتراب والوعود باللقاء حال عودتي، وبما أنني صرت في المتناول وأعادوا نظاراتهم إلى أماكنها وتبخرت الوعود، فلعلي أحتفظ بهالتي وطاقتي، فما زلت أشعر بأنني في غربة وإن كنت في وطني، ربما ينبغي علينا جميعًا أن نصبح غامضين لحد ما، لا جدوى من أن تكون متاحًا كأي موضة عابرة سرعان ما يتم تجاوزها..

نسخة طبق الأصل

كان خطأً فادحًا مني عندما قررت إطلاق سراح نسخي القديمة، شخصيتي التي كانت تستمتع بالحديث عن أحلامها قد صادقت امرأة نرجسية فألجمتها للأبد، وشخصيتي التي كانت تبحث عن مغامرات منتصف الليل ابتلعها ثقب زمني وأرسلها لكوكب لا يعرف القمر، أما شخصيتي العفوية فتلقت طعنة في لسانها فصارت تتلعثم وتتأتئ فقررت أخيرًا أن تلتزم الحذر، وأسوأها شخصيتي التي كانت تهب الحب للآخرين إلى أن جف النبع بداخلها وتحولت أرضيتها لرمال متحركة تبتلع الحب من الآخرين بلا رحمة ونسيت كيف تتدفق من جديد..

نسختي الجديدة افتقدت جوانبها الحالمة المغامرة العفوية والمحبة، نسخة حائرة بين ما هي في الأصل وما يقودها التطور إليه، نسختي الحالية تحتاج لأن تتعلم أن تحقق أحلامها الواقعية وألا يمتص طاقة خيالها الواسع أشخاص يحبون أنفسهم أكثر، تحتاج لأن تطير بجناحي الجرأة والاحتراس فليس كل المغامرات تؤدي إلى كنز مدفون وخريطة وبوصلة، وكذلك تحتاج لاستبدال الصمت بالابتسامة والحذر بإيماءة صادقة وأن تكون وجهًا يألفه الناس بلا تحفظ، وأيضًا تحتاج لأن تحفر عميقًا في نفسها لتجد نبعًا لا ينتهي من الأحاسيس التي تعرف طريقها لمن يستحق بلا خوف من النضوب..

أحب كل نسخي القديمة، ونسختي الحالية، وحتى النسخ التي كدت أن أكونها، لن يكون للأصل معنى إن لم يشاهد نفسه في غرفة مزدحمة بالمرايا تريك كل تفاصيلك بلا تجرد، في كل مرآة نسخة منك، وفي كل المرايا (أنت)..

الشهاب الذي اخترق قلبي ولم يعد..

-أراك تتأمل مليّا في السماء، ليلة جميلة، كادت لتكون أجمل لو كان القمر مكتملًا، أليس كذلك؟!

-لا، هكذا أفضّلها، بلا قمر..

-أنت من عشاق النظر إلى النجوم إذًا..

-ليس عشقًا بالمعنى الذي تقصده، شعور مختلف، وكأنني أنتمي إلى هناك، بين النجوم، منزلي هناك..

-ماذا تعني؟! لا تقل لي أنك غريب من الفضاء الخارجي، يارجل كفى مزاحًا..

-ربما أنا غريب، من يدري؟! ما أقصده أنني على المستوى الروحي، في أعماقي، أشعر أنني كنت هناك يومًا ما، في قلب نجمة، وهناك روحٌ أخرى معي، تنتمي لذات النجمة، تسكن بداخلي وأسكن بداخلها، كلّما رأيت النجوم شعرت بالحنين إليها..

-شعور عميق يا رجل، انظر، انظر، إنه، إنه..

(في ذات اللحظة قالا: شهاب)

-نعم يا صديقي، إنه شهاب ، أتدري، أشعر بأنها ترى هذا الشهاب معي، في ذات اللحظة، أكاد أجزم بذلك..

-لعلك محق يا صديقي، أتعلم، ربما كان الشهاب يحمل رسالة، أتى بها من أعماق الكون لتراها فتوقظ فيك شيئًا ما، موجهة لروحك وأنت لا تفهمها، ربما ليخبرك بأنك محق فيما تعتقده، وأنك فعلًا من بذور النجوم..

-يسعدني أنك تفهمني يا صديقي..

-ولكنني أفضل القمر، لطالما فتنت به، أشعر بحزنه المضيء وهو يخاطب الأمواج لتوصل حبه للأرض..

-أتفهمك، بينما أنا يغريني اشتعال النجوم، الشغف، الاكتفاء بذاتها، الحب اللا مشروط، متوهجة حتى في انعزالها وبعدها، تجذبني كمغناطيس إليها، كقنديل يهديني الطريق إلى نفسي، مصباح روحي، شعلة تتوقد بداخلي، تبشرني بأن اللقاء قريب..

عالقٌ بداخلي، أبحث عنك

رأيتك في حلمي، كنت تضحكين، توقفت الأحداث لوهلة، تجمدت الشخصيات والألوان وعلقت الأصوات في حنجرة الحلم، ذلك يعني أنك دخيلة على حلمي، ربما هاربة من حلم آخر أو كابوس، أردت أن أمد يدي إليك لأرحب بك لكن الحلم لم يسمح لي، شككت أن جاثومًا في غرفتي لا يريدني أن أستيقظ لسبب ما، حاولت ولكنك تسللت بخفة من باب انبثق في وسط حلمي، ثم عاد كل شيء إلى ما كان عليه، تحررت الشخصيات، عادت الألوان لمنازلها، هربت الأصوات من فم الحلم عدا صوتي الذي لم ينجو..

استيقظت في صمت، كان الجاثوم يرمقني بخوف، لم آبه له وابتلعت دواءً منومًا وعدت للحلم، متسلحًا بوجهك تنقلت من حلم إلى حلم، اقتحمت أحلامًا كثيرة لأشخاص لا أعرفهم، طفلة تناجي النجوم تبحث عن أمها الراحلة، شاب يبكي تحت ظل شجرة تقف في الهواء بلا جذور، ثعبان يتجول بين صديقات ويهمس لهن بقصص الحب، وشمس زرقاء باردة منعزلة تبحث عن ثقب أسود يخلصها من بؤسها، ولا أثر لك..

هذه الليلة السبعون وأنا في هذا المكان، تمردت عليّ الأحلام ولفظتني لفراغ خارجها، أرى من مكاني عالم الأحلام وعالم الأفكار وعالم الأمنيات وعالم الذكريات وعالمًا قاتمًا يشبه أفكار المكتئبين، وبينما جسدي ممدد في سريري، بجانبي جاثوم يبكي فراقي ويرقيني كل ليلة لعلّي أعود ويكمل مهمته، قد حكم علي بأن أقضي وقتي بين أبواب تشيح بوجهها عني، عالقًا بداخلي، أنتظر وجهك ليضع نجومًا في سمائي، كي أعرف الطريق، وأعود..

عقوبة لا مفر منها

على عتبة كهف

في ظلام خجول

لا شمس تزاور عن يميني

ولا ملاك يوحي إليّ

ولا صاحب يسندني

متعالٍ على جراحي المثخنة

مكابرًا على إبداء بادرة السؤال

لآخر تنهيدة هاربة من صدري المحتقن بالأفكار

أحاول الفرار من عقوبة الشوق

الذي في الأفق يرسل خيوله وسهامه

يعتقلني إليك

لا التعالي شفى جروحي

أو فادتني التناهيد

ولا ساعدني ظلامي على الاختباء

أو أنار عتمتي قمرٌ

يحرر صدري من سهامك وأفكاري

أمسيت حائر القلب

شريد الدرب

مستسلمًا تجرني جيوشك

قد نلت عقوبتي

واشتقت إليك

شيئًا فشيئًا عدت

شيئًا فشيئًا انفصلت عن الحياة، كأنني نمت قرونًا في كهف ولا أعلم كم لبثت، في غيابت جُبّ ولا سيّارة تلتقطني، في صفحة منسية من رواية لم يجرؤ كاتبها على نشرها..

شيئًا فشيئًا ازداد انعقاد حاجبيّ مما أرى، أريد المواجهة ولكن يخيفني الواقع، حياة تُسيّر بالعلاقات والمصلحة، قلوب سوداء متنكرة بقناع رجل مبتسم، وصحبة توقد على الطين ليبنوا صرحًا على أنقاض هزائمي..

شيئًا فشيئًا تجادلني عزلتي، “أنت من ابتعدت، أنت من ارتحلت، أنت من فكرت وخططت ونفذت، العزلة ارتقاء وأنت أردتها فرارًا، العزلة انتشاء وأنت من قررتها خيارًا”، هنا تقف بقية الخيارات على الحافة تراقبني وأنا على وشك القفز إلى صخور القاع، لسان حالها يقول “خيار الموت ليس بيدك، خيار الرحيل ليس من جنسنا، نحن خُلقنا لمن يرغب بالحياة”، ترتطم الأمواج غاضبة بالصخور أسفل مني، البحر لن يحتوي مأساتي، لن يبتلع خيباتي، لن يصبح مقبرة المنهزمين..

شيئًا فشيئًا يتجلى لي النور، يفيض الوعي، تقترب مني الحياة وتمسك بيدي، تتسع حدقتا عينيّ، تحتويني عزلتي وتقدمني للعالم، أخرج من كهفي، أتسلق الجب، أتمرد على الرواية، أواجه الواقع ولا أخشى الهزيمة، أجرد القلوب من أقنعتها، أهدم صروح خياناتهم، أناجي خيارات الحياة لتكشف لي أسرارها، وألوّح للموت من بعيد بأن الوقت لم يحن بعد، وأربتّ بحب على الأمواج وأغني للبحر أغنية العائد..