رهبة الخمسين

كنت ممن يفضل الجلوس مع كبار السنّ في صغري في مجالسهم المعتادة عند المرسى الذي تنطلق منه قوارب الصيد، تفاعلهم اللطيف مع بعضهم يدفعني لسؤالهم عن الحياة بأسلوبي العفوي، لكنني كنت أستشعر تضجرًا خفيًا في نبرة ردودهم وتجاعيد الزمن على ملامحهم، وكأنهم يوجهون لي رسالة فحواها: “دع الحياة تعلمك يا صغيري”. كنت أتخيلهم شيوخًا في أرذل العمر يوزعون الحكمة مجانًا على من يرتادهم ويحتفظون بأسرار لا نستوعبها عقولنا، وكأنهم اكتسبوا هذا الطبع من البحر..

الآن عندما أتذكر هذه المواقف وبحسبة زمنية بسيطة، للتو أستوعب أن أعمارهم حينها كانت في نهاية الأربعين وبداية الخمسين، لكن لعل مشقة السير في رحلتهم أضفت عليهم أعمارًا فوق أعمارهم، وبينما أرى ملامح رفاق جيلي الآن وبسبب النعم التي تتوالى علينا فمن المستحيل أن تمنحهم عمرًا يتجاوز نهاية الثلاثين، بل أن هناك من هم في الخمسين من أعمارهم لكنهم يظهرون وكأنهم في عنفوان شبابهم ونضارتهم، وهنا يراودني ذات الشعور أعلاه: لماذا أشعر برهبة الخمسين رغم ذلك؟!..

الخمسون من عمرك، اليوبيل الذهبي لذكرى ولادتك، الخمس الكبرى كما يسمونها في أميركا The big Five، ذلك العمر الذي يقربك أكثر من محطة الانتقال لعالم لم نسمع عنه سوى شذرات لا تروي فضولنا، خمسة عقود مضت تثير في عقلك حقيقة لا مفر منها: ما سيأتي أقل دهشة مما مضى وأكثر وضوحًا..

لكن ذلك الوضوح اصطدم برهبة لا أستطيع تفسيرها، هل حقًا أصبح يفصلني عن الخمسين أشهرَ معدودة بتقويمنا الهجري رغم أنني أتممت للتو الثامنة والأربعين من عمري بالتقويم الميلادي -والذي وبطبيعة الحال يتبعه كافة البشر بلا استثناء في تعداد أعمارهم عدا عدة ملايين في مجتمعنا لاعتبارات دينية- فالتقويم الهجري المعتمد على حركة القمر ينقص 11 يومًا وسويعات عن التقويم الميلادي الذي يتبع حركة الشمس..

هذا التقويم الذي اختلفت الحضارات كثيرًا في تسمية أشهره الاثني عشر، فما بين مسميات رومانية لاتينية أقحمت قياصرها في المسميات (جوليوس – أغسطس)، وبين مسميات سريانية آرامية يستخدمها بعض مثقفينا ليُظهروا حنكتهم الشاعرية (أيلول – حزيران)، وما بين مسميات أخرى مختلفة تحتاج إلى مقالٍ آخر للتحدث عن أصول مسميات الأشهر في التقاويم الشمسية المختلفة، وهذا يقودني لنقطة واضحة تمامًا: هل الاقتراب من الخمسين يجعلك ثرثارًا وميّالًا للاستطراد ولاستعراض خبراتك وثقافتك التي لم يطلبها منك أحد؟!

أعود للرهبة التي تعتريني كلما تذكرت شكل الرجل الخمسيني لدينا في ذاكرتنا الجمعية إلى مدة قريبة، كهل على حافة العالم، بسيط المظهر، شحيح الكلام، يفكر في ما بعد الرحيل للعالم الآخر، لا يكاد يهمه شيء سوى سعادة أبنائه وأحفاده، قبل أن يصل إلى الستين وما بعدها ويحنق على المجتمع وينتقد السائر والمار ويهتم بإطفاء مكيفات المساجد والأحواش ومراقبة الجيران، صورة جمعية ظالمة بلا شك..

أما الخمسيني الآن فلا يبالي، لم تعد تُشعره كلمة “عمو” و”عم” و”والد” بأي تهديد، ولا يمانع أن تتخطفه أيدي اليافعين ليقبلوا رأسه، ولا تثير حفيظته تصرفات الناس على الإطلاق، بل تجد منهم من يهتم لهندامه فتظنه أربعينيًا غزاه الشيب مبكرًا، أو غزا اللون الأخضر قلبه والخفة عقله فيذوب مع كل كلمة لطيفة من “هيفاء” تراه مشروعًا محتملًا لرجل خمسيني لا يمزح وللأب السكري -وأعرف بأنها ترجمة رديئة للأشيمط الجاد والشوجر دادي- كمن يلاحق قطار طلقة ياباني على قدميه..

هل أعود لبداية المقال لأتذكر ما كنت أود قوله؟! فذاكرة الاقتراب من الخمسين مريعة ولا تحتفظ إلا بالذكريات السيئة إن سمحنا لها وفقدنا التركيز، الخمسون عمر ذهبي لمن يريد استغلاله بنضج وحكمة استحقها خلال مسيرته، وهو كذلك عمر مليء بالتحديات لمن يريد تعويض أمر ما فاته أو الاستسلام لعقدة نفسية عالقة من الطفولة..

سأنظر لنفسي في المرآة في العامين المقبلين، آملاً أن أجد طفلي القديم في ركن ما وأدعوه ليكبر، وأن أجد زهرة شبابي في ركن آخر وقد تحولت لمرج، وأن أقنع عقلي ليتخلى عما يكبله، وأن أعيش عمر الخمسين كما ينبغي أن يعاش، هو عمر الحكمة والسند والتأملات العميقة والنظر إلى السماء كلما احتجت للاطمئنان.. 

أضف تعليق