رهبة الخمسين

كنت ممن يفضل الجلوس مع كبار السنّ في صغري في مجالسهم المعتادة عند المرسى الذي تنطلق منه قوارب الصيد، تفاعلهم اللطيف مع بعضهم يدفعني لسؤالهم عن الحياة بأسلوبي العفوي، لكنني كنت أستشعر تضجرًا خفيًا في نبرة ردودهم وتجاعيد الزمن على ملامحهم، وكأنهم يوجهون لي رسالة فحواها: “دع الحياة تعلمك يا صغيري”. كنت أتخيلهم شيوخًا في أرذل العمر يوزعون الحكمة مجانًا على من يرتادهم ويحتفظون بأسرار لا نستوعبها عقولنا، وكأنهم اكتسبوا هذا الطبع من البحر..

الآن عندما أتذكر هذه المواقف وبحسبة زمنية بسيطة، للتو أستوعب أن أعمارهم حينها كانت في نهاية الأربعين وبداية الخمسين، لكن لعل مشقة السير في رحلتهم أضفت عليهم أعمارًا فوق أعمارهم، وبينما أرى ملامح رفاق جيلي الآن وبسبب النعم التي تتوالى علينا فمن المستحيل أن تمنحهم عمرًا يتجاوز نهاية الثلاثين، بل أن هناك من هم في الخمسين من أعمارهم لكنهم يظهرون وكأنهم في عنفوان شبابهم ونضارتهم، وهنا يراودني ذات الشعور أعلاه: لماذا أشعر برهبة الخمسين رغم ذلك؟!..

الخمسون من عمرك، اليوبيل الذهبي لذكرى ولادتك، الخمس الكبرى كما يسمونها في أميركا The big Five، ذلك العمر الذي يقربك أكثر من محطة الانتقال لعالم لم نسمع عنه سوى شذرات لا تروي فضولنا، خمسة عقود مضت تثير في عقلك حقيقة لا مفر منها: ما سيأتي أقل دهشة مما مضى وأكثر وضوحًا..

إقرأ المزيد