-أحقًا تسألينني؟! أحبك كما لم يحب أحد من قبل، ولو حسبت مرّات اهتزازات الأوتار الفائقة منذ انفتاق الكون لما تجاوزت نبضات حبي لك..
-هل تحبني؟!
-أما زلت تقولينها؟! نعم أحبك وأحبك وأحبك وكأن كل مافي الحياة يقف رأسًا على عقب في كل الأبعاد ليثبت ذلك..
-هل تحبني؟!
-في كل مرة أقولها لك تهرب دمعة من أعماقي، أحبك ولو عشت مليارات الحيوات بعدك فلن ينبض قلبي لغيرك..
-هل تحبني؟! هل تحبني؟! هل تحبني؟! هل تحبني؟!
أعاد صوت خطيبته الحنون سؤاله مع كل مرة يضغط فيها زر التشغيل لآخر رسالة صوتية منها، سألته يومها لكنه لم يشاهد الرسالة ليجيبها، حتى سمع خبر وفاتها في حادث تلك الليلة، ليستمر أسيرًا لذلك السؤال الذي يجوب ما وراء الكون يبحث عن إجابة تقفز في الزمن لتصلها..
صدمته الجملة الأخيرة في القصة التي قرأها، يا لخيال الكاتب الخصب الذي صور اللحظات الأخيرة في حياة كوكب يلفظ أنفاسه الأخيرة، كان الوصف مرعبًا لآخر لحظات سكانه قبل نهاية عالمهم، لولا أنها خيال محض من صنع كاتبها لما استطاع تجاوز الموقف..
قام من كرسيّه الذي يطفو في الهواء وهو يتساءل عن تأثير التقنيات المتقدمة على نهايات العوالم، اختراع هذا الكرسي له قصة ودورة حياة منذ أن كان جذع شجرة مرورا بالعروش المذهبة وصولا لكراسي المزينين وأريكة المعالجين وهي تقوم على أربعة أرجل أو عجلات صغيرة يستخدمها أطفال الجيل السابق في سباقاتهم البريئة، الآن هذه الكراسي قد تبرأت من أقدامها وطفت في الهواء متمردة على الجاذبية، والمركبات كذلك تطفو في الطرقات بخفة حتى أنه يتساءل كيف يحتمل هواء الكوكب كل هذه الأثقال التي تتجول بحرية في أثيره..
لكن السؤال الأصلي عاود ظهوره في ثنايا عقله، هل هذا التطور في التقنية سيقودنا يومًا للفناء كما حدث لسكان الكوكب في قصة الكاتب، ومع أنها قصة قديمة من كلاسيكيات القرون الماضية إلا أن وقعها عليه مختلف، وكأنه يقرأ تاريخًا موثقًا وليس قصة خيالية عن كوكب بعيد في كون يستعصي على سكانه استكشافه، من هذا الذي سيتعرف على البحر قطرة قطرة؟!
-كنت أنتمي لذلك العصر الجميل الذي تأتي فيه الإعلانات في منتصف البرامج والحلقات التلفازية وبين شوطي المباريات، فاصل إعلاني كما أسموه في تلك الحقبة، هدنة مع المشاهد ليعود لواقعه قبل الانغماس مجددًا في الوهم اللذيذ..
كان ذلك قبل عصر سيطرة الإعلانات كما نراها حاليا، لن تستطيع الرد على مكالمة قبل أن ترى أو تسمع إعلانا ما، ثم يسمح لك باستقبال المكالمة، لن تعمل سيارتك أو بوابة عربة المترو أو تحجز تذكرة سفر أو تذلف باب عملك أو منزلك قبل أن توافق على مشاهدة إعلان على الشاشات المصاحبة يصل إلى دقيقتين على الأقل..
وهذا قبل أن تأتي المنازل المعززة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات الشبيهة بالإنسان والتي تخيرك بين الاشتراك في خدمة العرض المنزلي الخاص بلا إعلانات أو تضطر لمشاهدة إعلان كلما فتحت باب الثلاجة أو أغلقت نور الغرفة أو أردت إطعام قطتك، حتى اللوحات والكتب لم تسلم من غزو الإعلانات، بين كل فصل وفصل إعلان، وبعضها بين الصفحة والأخرى، لم يتبق سوى النوم، تخيل مستقبلا ألا تستطيع النوم إلا بعد مشاهدة إعلان، فلتذهب الحضارة ألى الجحيم إن حرمتنا من النوم..
إن حياتنا أصبحت عبارة عن إعلانات تتخللها حياة وليس العكس، جشع الشركات الذي لا ينتهي، أشعر بأنني أصبحت إعلانًا طويلًا يمشي على قدمين، وددت لو وجدت شيئا يعيدني لزمن ما قبل الإعلانات، هل توافقني يا فريد؟!
هزّ الروبوت فريد رأسه المعدنية وردّ بصوت آلي رتيب وهو يشير للطاولة الزجاجية التي تفصل بينهما:
-نعم أتفق معك سيد وليد، رأيي في هذا الأمر سأخبرك به بعد فاصل إعلاني قصير على شاشة الطاولة، هلى تريد أن أقترح عليك إعلانًا معينًا أم أدع الخوارزميات تختار من أجلك؟!
جلس بخيلاء في منتصف بهو المنزل، تلفت ببطء يمنة ويسرة يعاين حال الأثاث الفاخر والديكور الحديث، زم شفتيه ازدراء وهو يفكر في كيفية إعادة كل شيء لسابق عهده، قريبا سيتحول هذا البيت والبيوت التي حوله إلى قصر منيف، تذكر آخر كلمة قالها لصاحب المنزل هذا المساء قبل أن يتم البيع:
-أُودع المبلغ المطلوب في حسابك، لا أريد أن يعلم أحد بهذا الترتيب بيننا، خذ المال وانسَ هذا المكان للأبد..
كانت ردة فعل المالك متوقعة، مبلغ كهذا يساوي قيمة المنزل عشر مرات على الأقل فأخذ كل ما يخصه وغادر، كذلك فعل كل أصحاب تلك القرية الحدودية، خرجوا جميعا منها يبحثون عن مكان أفضل يأويهم وذويهم، وباتت القرية خاوية على عروشها..
صعد المالك الجديد إلى سطح المنزل، يمم وجهه شطر الغرب حيث نجوم أورايون الثلاثة تصطف جنبا إلى جنب، تناثرت ذكريات عدة في مخيلته أيام كان هناك بالأعلى وذكريات أخرى مع ملوك وكهنة وأهرامات، أغمض عينيه طويلا وهو يستنشق رائحة الأرض في تلك القرية التي صمتت رغما عنها، عادت له أعوام طفولته في هذا المكان قبل أن تطردهم الملائكة إلى البحر..
فتح عينيه اللتين امتلئتا بالسواد، صاح صيحة لا يسمعها البشر، ينادي قومه ليعودوا للأرض التي احتضنتهم من قبل، سيكتشف البشر أن المبالغ التي أودعت هي محض وهم سحر أعينهم، وإن عادوا للقرية لن يجدوا سوى الرمال، وإن مكثوا فيها ساعة ستخيفهم أصوات البوم والذئاب والحيّات، هذه فقط الخطوة الأولى لاستعادة ما ضاع من قومه، مجرد خطوة..
وليد قادري كاتب ومترجم سعودي من منطقة جازان، وُلد عام 1978، ويُعد من أبرز الأصوات المعاصرة في مقالات وقصص الخيال العلمي، والرعب، والفانتازيا في الأدب العربي الحديث.
كتب أكثر من 200 قصة تُعالج موضوعات تتراوح بين الواقع النفسي، والتأمل الفلسفي، والأسطورة المحلية. نُشر بعضها في كتب مثل “ذات حكاية”، و”الأبواب التي رأت”، و”قصص تمردت على قبعة الكاتب”.
رُصدت المخالفة في تمام الساعة 1:52 ص حسب التقرير الالكتروني من جهاز الرادار الخاص برصد السرعات العالية، بلغت سرعة تلك السيارة من طراز بوغاتي نحو 260 كم/س أي أنها توازي سرعة طلقة المسدس التي تخترق جلد ضحيتها عابرة طريقها إلى الجانب الآخر تاركة الفوضى خلفها بلا التفات وكأنها شخص نرجسي يتلذذ بضحيته قبل أن يتركها حطاما، بتلك السرعة الفائقة لو وقف شخص أمام هذه السيارة لاخترقته، ولو اصطدمت بحاجز صلب لتحولت لما يشبه اللوحة المسطحة، ولو أتيح لها مساحة أرحب لطارت وانتقلت لبُعد جيراننا في الأرض والذين نخاف منهم ويخافون منا منذ زمن يسبق التاريخ المكتوب..
(2)
توقفت دورية الأمن عند باب منزل من طراز المودرن كلاسيك في ذلك الحي الراقي بالمدينة، موقع البيت قريب من مكان رصد المخالفة كما أن السيارة الواقفة بالخارج تطابق لون وطراز السيارة التي رصدت يومها، المنزل فخم لا شك في ذلك كما يعتقد الجندي لكن هذه السيارة تليق بقصر فخم وبوابة مؤمّنة ومدججة برجال الأمن ولا يليق بها أن تكون هكذا واقفة في شارع فرعي عند منزل ينتمى لطبقة فوق المتوسطة، أيُعقل أن تسكن ملكة جمال الكون في شقة مطلة على البحر مثلا، قد تكون هذه الشقة حلما للكثير، لكن الفاتنات لا يليق بهن السكنى إلا في القصور الفارهة والأبراج العالية وإلا لما تناقل التاريخ قصصهن في ممالك الصين والسند والأندلس والغال..
هكذا أوصته حبيبته وهو في طريقه لأداء شعيرة الحج في رحلة تستغرق أسبوعين بمختلف وسائل النقل آنذاك، سيتقدم لأبيها بطلب الزواج بعيد عودته من الحج ويريد أن يلبي لحبيبته أي طلب تبتغيه ولو طلبت روحه لاستجاب..
ولأن شخصيته حدّية، ولأن إحضار (الصنبران) من رحلة الحج لهو أمر جلل ومصيري عند أهل منطقته وكأنه من أركان الرحلة رغم أنه عبارة عن حفنة من الحَبّ الشبيه بالحمص والسكاكر، انشغل عقله بهذا الوعد فلا استوعب صلاة ولا ذكر ولا يدري في أي يوم هو وكم من النسك قد أكمل وكم من الشعائر قد أنجز، جل ما يفكر فيه هو ردة فعلها حينما تراه يقتحم جموع المهنئين بالحج حاملًا إليها كيس (الصنبران) وكأنه مهر إضافي..
في اليوم الثالث بعد العيد، ذهب يبحث عن ضالته في السوق، أغلب المحلات أعلمته أن الكمية نفذت وقد يجد المزيد عند قهوة الجبل، وهي المحطة التي كان سيتوجه إليها ليبحث عن مقعد في سيارة تعود به إلى جازان، وحدها تلك الابتسامة كفيلة بأن تغفر سخطه على حرارة الأجواء حينها، وصل إلى قهوة الجبل يحمل كيسًا وضع فيه إحراما مهترئا استعاره من عمه وكيسا آخر به ملابسا متسخة وبعض كتيبات الحج ومسابح مقلدة وأشرطة كاسيت وزعت عليهم ولا يعلم ما فيها فلم يكن منتبها لخطب الواعظين ولا لدعاء العائدين إلى الله في هذا المحفل..
سأل عن باعة ا(لصنبران) فأفاده أحدهم بأنهم باعوا كل ما لديهم ولكن ربما في الصباح الباكر تأتي دفعة إضافية، لم يطق الانتظار، مرّ على السيارات الواقفة يسألهم إن كان بمقدورهم بيع كيس (صنبران) له بمقابل مجزٍ، ابتاع كيسًا من هنا وكيسًا من هناك بضعف ثمنها فأصبح لديه أربعة أكياس، واحدٌ لأمه والبقية لحبيبته زوجة المستقبل، ولم يتبق معه سوى ثمن العودة إلى المنزل ففاوض أحد السائقين على أن يبقى له عشرة ريالات يتناول بها طعاما يكفيه إلى أن يصل..
-نعم، الفريد الأعلى الحاكم السؤدد، لقب اكتسبته بسبب….
-نعم، نعم، لا داعي لمعرفة قصة حياتك، حسنًا سيد (فاحس) هل لديك خبرة سابقة في احتلال الأقمار والكواكب؟! لدي هنا قمر (تيتان) متاح، وكذلك بعض المناطق في كوكب (الأرض) لكني لا أنصحك به، كوكب ممل وثقيل الدم وغثيث ولديهم آلاف العادات واللغات ويصعب توحيدهم تحت راية واحدة..
-أعتقد أنه، آه أعتقد بأنه قد أُطلقت علي صفات مشابهة من قبل، ربما…
-أتقصد أنك ممل وثقيل الدم وغثيث؟!
-أنا فريد أعلى وحاكم سؤدد كما أخبرتك، لكن سبق أن أطلق عليّ بعضهم هذه الصفات التي ذكرتها سيدتي لكني لا أعتقد أنني….
-حسنًا حسنًا، فهمت، لأنه يظهر لي أن اسمك (فاحس) ويعني صفة غير لطيفة في أحد مناطق الأرض حسب دليل اللغات هناك، لا يهم، ربما تليق بك الأرض، سأعرض عليك الأماكن المتاحة وترد بنعم أو لا، فهذه سياسة المجلس الأعلى لغزاة الكواكب ، هل توافق؟!
-نعم
-هناك قارة أتلانتس الغارقة، قوم الأتلانتيك شعب متقدم تقنيا ومنعزلون وقد يناسبك ذلك، وهناك مخلوقات عظيمة الحجم مثل الكراكن والحيتان والكايجو، لكن لن تستطيع حكمهم فوق الماء، يجب عليك أن تغزو المحيط الهادي من خندق ماريانا وتبدأ حملتك من هناك، أيناسبك ذلك؟!
-كلا، لا أجيد السباحة وليس هناك بحار في مجرتي، وكذلك لدي حساسية من الموجات الصوتية ولا أعتقد أنني سوف….
-حسنًا حسنًا ، لا داعي لمعرفة قصة حياتك، كلمة (لا) تكفي، هناك منطقة أخرى تسمى جوف الأرض، لديهم شمس مركزية، وبقايا حضارة الديناصورات، وقبائل يأجوج ومأجوج مهما كان معنى هذا الاسم، هناك عفاريت وجان وشياطين وجحي…، جحيم؟!، جحيم في باطن الأرض، هذا غريب؟! لماذا يسمونه هكذا؟! المهم هناك مملكة أغارثا والساقطون والزواحف والأنوناكي والتايتانز، ما كل هؤلاء؟! يبدو أن من يقطن في باطن الأرض أكثر من سطحه هههههه..
-نعم ههههه دعابة جيدة، لا أظن أن هذا الجو مناسب لي، كي أستطيع غزوهم ينبغي أن أدرسهم جميعا وأحدد الأسلحة المناسبة ونسبة الهواء والغذاء المناسب وكذلك…
-لقد أخبرتك أن كلمة (لا) تكفي، لست في مزاج للمجاملات الاجتماعية معك، حسنًا، هذا يبقى لنا سطح الأرض، بشر وحيوانات ونباتات فقط كما يظهر لي في هذا البعد، هناك أبعاد أخرى في نفس السطح لكن اختراقها يحتاج طاقة عظيمة، والبشر هم من يحكم السطح لكنهم مغرورون ومتفرقون لآلاف القوميات حسب اعتقاداتهم لكن لربما يرحبون لك فهم سهلو الانقياد للأقوياء ويحبون الغرباء القادمين من الأعلى رغم أنهم يعتبرون أنفسهم مركز الكون، ولديهم أهرامات كذلك؟! يا للروعة؟! يا ترى من بناها لهم؟! غنيمة سهلة ولكن توخ الحذر فقط من أفكار جماعة الأرض المسطحة وستكون بخير طالما كنت مثلهم مملا وثقيل الدم وغثيث كما أخبرتني..
-كلا لم أخبرك بأنني ممل وثقيل الدم وغثيث بل قلت لك أن بعضهم قد….
-نعم نعم، قد قلت لي، نعود لموضوعنا، هل يناسبك سطح الأرض إذن؟!
-لا أعلم، يبدو الوضع سهلاً للغاية ولن يعتبر غزوا مجيدا أفاخر به في المجلس الأعلى للغزاة، لكنها فرصة للخروج والتسلية، أين سأبني قاعدتي إذًا قبل الغزو؟!
-رائع، سأصدر قرارًا لك بالسماح بغرو الأرض، أما عن قاعدتك فهناك الجانب المظلم من القمر لكنه محجوز من (فيغا) الكبير ولكن لا تهتم سأستطيع إقناعه بالذهاب لكوكب آخر، وقع هنا وهنا وهنا واذهب للكشف الطبي وأحضر الاستمارات المطلوبة في البيان حتى أضيفه في ملفك، مبارك لك مقدمًا سيد (فاحس)..
-شكرًا لك، وسأحرص على أن..
-نعم نعم، لا داعي، وأغلق الباب خلفك من فضلك، قد حانت استراحة الافتراس ولدي فريسة من مجرة (أندروميدا) تنتظرني..
خطأ تافه من قبلها وإساءة ظن مني جعلاني أتخلى عنها، صورة لها قبل زواجنا تحتضن ذراع رجل غريب وتضع رأسها على كتفه، لم تقنعني مبرراتها بأنه والدها، أعرف شكل والدها المتوفي وهذا لا يشبهه أبداً، فانفعلت وطلقتها..
ثم أكدت لي أمها حديثها بعد فوات الأوان فوضحت لي أنه أباها البيولوجي الذي طلق أمها وهي حامل وعاد ليعتذر منهم بعد انقطاع طويل لغياب الخبر عنه، أما من عاشوا معه فهو زوج امها الراحل الذي عاملها كابنته وقد أعطاها اسمه لكون والدها الحقيقي لم يكن يعرف عن حمل زوجته..
لم أتحمل منظر دموعها الذي ترك خطوطاً في وجنتيها كوعثاء السفر، هي ضحية والأولاد أيضاً، لم يكسر قراري قلبينا بل هشمها تماما وتعذرت سبل الإصلاح فهي لم تتخيل يومًا أن أشك في شرفها وأنا أكثر من أحبّت في هذا العالم بل في نظرها كنت العالم بأكمله..
أريد العودة لأصلح الأمر، حصلت على كتاب عتيق عن فنون السفر عبر الزمن من الدارك ويب لعله يكون هو الحل، يُذكر هنا أن السفر بالجسد غير ممكن بالظروف الحالية ولتعقُّد التقنية اللازمة والتي ما تزال محض نظريات لم تطبق، لكن السفر بالوعي يقوم مقامه فأعود في نفس جسدي لكن بوعيي الحالي، وقد عمل بها من نال مقاما عظيما في الطقوس الثيوصوفية في بعض الديانات..”
29 فبراير 2032
“بعد عزلة قاسية..
أرى أنني صرت جاهزاً للمغامرة، زوجتي حبيبتي في مستشفى الأمراض النفسية منذ الذي صار, الأولاد لم يعودوا يطيقون رؤيتي عندما كنت أزورهم عند جدتهم، فانعزلت في كوخ ريفي كي أطبق الطقوس اللازمة للتصحيح، أهلي وأصدقائي يحسبونني ميتاً بعد أن أبلغوا السلطات التي بحثت عني بلا طائل طولل تلك الأعوام، هذه فرصتي الوحيدة لاستعادة السعادة، سأعود لذات الليلة التي رأيت فيها الصورة وطلقتها وسأختار وقتاً مناسباً لمعرفة حقيقة القصة وإنهائها قبل الجدل الذي كلفنا حبنا، تكمن الخطورة في أن تغيير مسار الزمن ممكن وهذا ما سأتحاشاه..”
الحادية عشر ظهرًا، تميل الشمس باتجاه الجنوب متعامدة على قمم الجبال والأمواج ورؤوس الخلق، يتدنى حد احتمال الناس لأي نقاش، يتسارع الباعة للتخلص من بضائعهم الطازجة لئلا تذوي، ويتجول منتهزو الفرص بينهم للبحث عن أقل سعر ممكن ليأخذوا ما لديهم ويبيعوه على أطراف السوق لرواده المتعجلين لعلهم يكسبون قرشًا أو اثنين كهامش ربح معقول يكفيهم لتدوير عملياتهم التجارية ليوم آخر على الأقل ويكفيهم قوت يومهم وقد يزيد..
وهناك باعة (المغاش) و(الصحفات) والأواني الفخارية المدهونة بالقطران في طرف السوق الأقصى أمام المسجد الحجري القديم، يقضون وقتهم يتداولون شعر (الطارق) وردوده الشهيرة فيما بينهم ويتحدون بعضهم البعض، بينما خلف المسجد في زاوية صغيرة من الظل تقبع امرأة عجوز غارت عيناها وبجوارها كلبتين سوداوين تلهثان طردًا لرطوبة الجو الحار..
تبيع هذه المرأة نوعًا مختلفاً من الإبداع لروادها القلائل، نوعًا مخصصًا من القصص الخرافية التي حورت عبر الأزمان لتصل لمسامع الأطفال عبر أمهاتهم وجداتهم ونساء القبيلة وخيالهن الواسع، قصصًا لا تْحكى إلا ليلًا على (القعايد) بصحبة الفوانيس و(المناوسات) وهدهدة الأطفال لأنفسهم في (الهناديل) والتماعة الأنجم في السماء وهدير الإبل، تبيع هذه المرأة (الخرفينة) بما يقابلها من (خرافين) أو عظمًا لكلبتيها وقد تطلب مؤونة لها أو أعشابًا عطرية تتذكر بها زمنًا غابرًا لن يعود، ثم تنتقل بشكل شبه يومي من سوق شعبي لآخر تحمل بضاعتها الشفاهية لتفرغها في آذان اللواتي يرغبن بقصص الجانب الآخر، وتعود بعدها لتقضي المساء برفقة الليل وبنات جنسها والقمر..