في عامي 1417-1418 هـ أخذت مادتي البحث التربوي والإحصاء التربوي في كلية التربية في أبها ولكن باللغة العربية ولم يكن مطلوبًا منا أي بحث للتطبيق بينما كان بحث التخرج باللغة الإنجليزية يختص باللغويات (تعريفات ومقارنات ومفاهيم).. وهو أقرب لورقة علمية مفاهيمية منه إلى البحث Conceptual paper..
لذلك لم أكن أعرف أي شيء عن البحوث العلمية وللأسف أغلب الطلاب مثلي يتخرجون من البكالوريوس بدون أن يتمكنوا من أساسيات البحث (باللغتين) وهذا الخلل تتحمله الجامعات وبرامجها وليس الطلاب..
لذلك في عامي 1441-1442 هـ كان الوضع مختلفًا تمامًا في مرحلة الماستر بعد غياب 21 عاما عن مقاعد الدراسة.. أحسست بشعور (الأطرش في الزفة) الذي يحاول جاهدًا أن يرمم أذنيه ليستمع للضوضاء..
شيئًا فشيئًا انفصلت عن الحياة، كأنني نمت قرونًا في كهف ولا أعلم كم لبثت، في غيابت جُبّ ولا سيّارة تلتقطني، في صفحة منسية من رواية لم يجرؤ كاتبها على نشرها..
شيئًا فشيئًا ازداد انعقاد حاجبيّ مما أرى، أريد المواجهة ولكن يخيفني الواقع، حياة تُسيّر بالعلاقات والمصلحة، قلوب سوداء متنكرة بقناع رجل مبتسم، وصحبة توقد على الطين ليبنوا صرحًا على أنقاض هزائمي..
شيئًا فشيئًا تجادلني عزلتي، “أنت من ابتعدت، أنت من ارتحلت، أنت من فكرت وخططت ونفذت، العزلة ارتقاء وأنت أردتها فرارًا، العزلة انتشاء وأنت من قررتها خيارًا”، هنا تقف بقية الخيارات على الحافة تراقبني وأنا على وشك القفز إلى صخور القاع، لسان حالها يقول “خيار الموت ليس بيدك، خيار الرحيل ليس من جنسنا، نحن خُلقنا لمن يرغب بالحياة”، ترتطم الأمواج غاضبة بالصخور أسفل مني، البحر لن يحتوي مأساتي، لن يبتلع خيباتي، لن يصبح مقبرة المنهزمين..
شيئًا فشيئًا يتجلى لي النور، يفيض الوعي، تقترب مني الحياة وتمسك بيدي، تتسع حدقتا عينيّ، تحتويني عزلتي وتقدمني للعالم، أخرج من كهفي، أتسلق الجب، أتمرد على الرواية، أواجه الواقع ولا أخشى الهزيمة، أجرد القلوب من أقنعتها، أهدم صروح خياناتهم، أناجي خيارات الحياة لتكشف لي أسرارها، وألوّح للموت من بعيد بأن الوقت لم يحن بعد، وأربتّ بحب على الأمواج وأغني للبحر أغنية العائد..
هذه المقولة الشعبية تختصر ما أريد قوله، كنت في حوار لطيف مع صديق مُلهم، وجهة نظري كانت أن بعض المبدعين من فنانين ولاعبين حضروا في فترة لا يوجد لهم منافس فأبدعوا وملؤوا الآفاق، لكنهم بحساب المرحلة الحالية فسيجدون منافسة شرسة، نبهني صديقي لنقطة مهمة وهي لماذا لا أعتبرهم روادًا في مجالاتهم؟! هم من فتحوا المجال للبقية ليتطوروا ويرفعوا سقف التحدي لمن بعدهم..
عاودت النظر في الأمر، فعلًا، الحياة ليست إلا سلسلة متصلة من التجارب والمحاولات تنتهي بانتصارنا على أنفسنا وتدفعنا لاستغلال قدراتنا، الفرسان الأشاوس قبل مئات الأعوام لا قِبلَ لهم بجندي معاصر يحمل مسدسًا، لكن لولا شجاعة الفرسان وتخطيط قادة الحروب والتفكير الاستراتيجي لما تطورت لأسلحة الدمار الشامل وربما تصل لحروب ستستغني عن الجيوش ولن يخوضها بشر، هكذا في مجالات الدواء والتقنية والتعليم والفنون والرياضة وغيرها..
ما نحن إلا عاملو طريق، نرصفه حجرًا حجرًا للجيل الآتي ليسير عليه ويكتشف مناطق جديدة لم نصل إليها بعد..
كلنا نحتاج للتحفيز، لمن يردد على مسامعنا (أنت قدها) (والله ما مثلك بهالدنيا أحد)، ولكن هناك درجات من التحفيز العكسي تأتي متنكرة بشكل (ورطة بنت ستين نيلة)، تحفيز كاذب (ينفخك) ويوصلك للسماء في بالون قرر الانتحار..
هذا النوع من التحفيز يجيده (جوقة)المطبلين للمسؤولين، وأيضًا أصدقاء (الدهورة) من جماعة (دوس وما عليك، احنا وراك) الذين (يفاشرونك) ويعرفون أنك تحب (التفيشار) و(التمزلاف)..
الصورة الذهنية في عقلي لهؤلاء تشبه (الزلاف) الجيزاني، هذه الرقصة الشعبية المرحة سريعة الإيقاع والتي تزف العريس و(تحمّيه) وكأنه مقبل على معركة، تلك النقرات السريعة على الدفوف والطبول والتي قد تستفز (قحمًا) لأن ينبري في الساحة و(يتعزوى) ليثبت أنه ما زال شابًا وأن (الدخن) و(السليط) فعالة للرُكب المتصلبة وأنه ما ينقصه غير (حرمة) تجدد له العهد..
وددت لو أعرف لون روحي أظنها مرآة تعكس ما تراه معتمة عندما نخاف باهتة حين الفراق صافية وقت الحب ومتوهجة يوم تكتشف هدف وجودها..
تمنيت لو أرى شكلها هل لها وجه يشبهني؟! هل هي بحجم نجمة في عيني؟! أو لربما هي صغيرة كخلية إضافية في جسدي! قبس نوراني يكمن هناك في الغدة الصنوبرية حيث يعتقد بأنها العين الثالثة عين اليقين..
أو أسمع صوتها هل تتحدث مثلنا؟! هل لغة الأرواح أحرف أم ذبذبات كالموسيقى؟! وكيف تذهب كل ليلة لعالمها عند نومنا؟! هل تسير وتجري وتقفز أم أن قوانيننا لا تنطبق عليها؟! هل لديها حبيب هناك، تودعه كل ليلة على أمل اللقاء؟!
أيزعجها صراخي؟! أتقلقها دموعي وتقلبات مزاجي؟! أتضحك معي وتراقص قلبي؟! أم أنها لا تفهم مشاعرنا فتتجاهلها وتلتفت من حين لآخر إلى السماء لتُبدي حنينها؟!
حانت ساعة رحيلي المرتقب، انتابني حماس طفل سيذهب للمدرسة لأول مرة، هذا أقرب وصف ممكن فأنا فعلًا أغادر عالمي للمرة الأولى، سأرافق إنسانًا في هذه الحياة، إن نجحت في هذه الرحلة فلعلي أرافق شجرة أو منارة مسجد أو حتى برجًا فولاذيًا، هذا أنسب لي من أن أرافق حيوانًا أو مركبة متحركة، من يدري؟!
عالمنا مظلم، لا أستطيع وصف شدة إظلامه، لكننا نرى بعضنا، نشعر ببعضنا، نتهادى الأمنيات ونستمع لقصص الأولين الذين رافقوا الأنبياء والحيتان وشهدوا قبح المعارك في سحنات المقاتلين مع ساعات النهار الأولى وعند اقتراب الغروب، لكن ما يشد أفئدتنا أكثر هو حكايا الحب تحت أنظار القمر وتبتلات العابدين على هدى شمعة..
يقولون أن لكل إنسان روح واحدة، ولكل روح تجربة واحدة ثم تعود لعالمها وتنتظر، تساءلت مرارًا عن كنه عالمهم، أخبرونا أنه في أصل شجرة، شجرة من نور، يأوون إليها زرافات ووحدانا ويتناجون بينهم، ربما مثلنا، يستمعون للأرواح الأولى وهي تسرد ذكرياتها، وروح وليدة تتحمس مثلي لأن تغادر، سترافق إنسانًا، ذات المهمة التي أحملها على عاتقي، لكنها كما علمت ستكون واعية، تفكر، تحب، تشعر، تتواجد في الضياء والعتمة، بعكسي أنا..
أنا القادم من عالم الظلال، جميعناً نتشابه، بلا ملامح، كائنات تتغذى على النور لتبقى، وتتلحف الظلام لتستريح، أنا الشاهد على مشاعر لا أفهمها، ومانح الفيء لمن طاردته شمس الظهيرة، والراحل الأخير عن رفيقي بعدما يدفن جسده وتغادر روحه، فأحمل أسرارًا معي غير قابلة للبوح وأعود لعالمي، ممنيًا نفسي بأن أعود ولو رفيقًا لغيمة..
جن، شياطين، غرباء من عالم آخر، سكان جوف الأرض، عمالقة الأنوناكي، ويكا، فودو، كابالاه، هرمس، إسقاط نجمي، سحر أسود، إلوميناتي، محافل ماسون وعين حورس والدجال المنتظر، مستذئبون، مصاصو دماء، زواحف، قطط ناطقة، جاثوم، بوابات نجمية..
كلها تثير فضولي واهتمامي ولا تستدعي خوفي أبدًا..
ما يخيفني حقيقة هو الوحدة، الخيانة، أن يتم نسيانك، التنكر إليك، اللجوء رغمًا عنك للعزلة، اللا انتماء، الإقصاء لأنك من دين مختلف أو شعب مختلف أو لأنك صاحب رأي وذوق مختلف.. تخيفني الحروب والتهجير والنفاق والمذابح والأنانية والقسوة والتسلط واستغلال المناصب للإضرار بالناس وإجبار الآخرين على فكرة واحدة ورؤية قاصرة..
دراما رمزية، كوميديا سوداء نصري شمس الدين، الأخوان رحباني أغاني خالدة، حوار ذكي مسرحية في فيلم وفيلم في مسرحية ونضيف لهذا المزيج رؤية إخراجية مميزة من يوسف شاهين و صوت فيروز 💜
عمل فني متكامل ومعتق من إنتاج عام 1965 بمعنى أن له 55 عامًا وما زال يحتفظ بنفس توهجه ويوازيه في ذلك فيلم صوت الموسيقى مع جولي أندروز The sound of music
تغير العالم ولم تعد هناك حروبًا بالمعنى المعروف، فهناك حروب الجيل الرابع والخامس وهناك حروب الوكالة باستغلال الطابور الخامس والتحريض على المظاهرات والتبعية لنظام (غير الدولة) سواء كان الطائفية أو الارتزاق لمن يدفع أكثر..
تغير العالم وتحول العدو إلى صديق وأصبح الصديق عدوًا وذلك بفضل تغير الأهداف السياسية وتناقضات المصالح التي كانت يومًا ما مشتركة.. ولكن ما يلفت انتباهي حقًا هذه الفترة (الكيان الصهيوني المحتل) لأرض فلسطين – دولة اسرائيل.. سأنقل ما رأيته بدون تجرد وبدون تعاطف عن (القوة الناعمة) الجديدة لدولة اسرائيل في حساباتها بتويتر (اسرائيل بالعربية واسرائيل في الخليج)