في برنامج (الموهوبون في الأرض) للصحفي والكاتب المصري بلال فضل، تحدث عن تجربة المطرب عمرو دياب -والذي تجاوز الستين عامًا ما شاء الله حفظه الله لمحبيه وجمهوره- وكيف أن عمرو دياب أخبره بأنه دائما ما يراهن على الشباب، ولذلك فكل العاملين معه في المنزل والنادي والاستديو وغيرها لا يتجاوزون الخامسة والعشرين والعديد منهم لم يبلغ العشرين بعد، والسبب أن روح الشباب حوله ولغتهم وطاقتهم تساعده على الإنجاز وكذلك في اختيار الأغاني المناسبة لهذا الجيل، ورغم أن صوت عمرو دياب صنف في مرحلة من المراحل برفقة محمد منير وعلي الحجار وغيرهم بأنهم خلفوا الرواد محمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ ومحمد فوزي وفريد الاطرش والبقية، لكن عمرو اتخذ طريقا مغايرا وأسلوبا يميزه وحده فقط وأغانٍ لا تغيب عن الذاكرة..
وفعلًا، هذه القناعة حول العالم أكسبت شركات إنتاج مثل مارفل ولوكاس فيلم (حروب نجمية) في امبراطورية ديزني وكذلك روايات مثل سلسلة هاري بوتر وعوالم بيرسي جاكسون والأولمبيين وكذلك سيد الخواتم وأغنية النار والثلج (لعبة العروش) وروايات مصرية للجيب مع الخالدين د. نبيل فاروق ود. أحمد خالد توفيق ورفاقهم والعديد من الروايات التي لا يتسع المجال لذكرها، كان التوجه للشباب وروح الشباب عاملًا لكسب المليارات وإنتاج أعمال نوعية مختلفة ألهمت أجيالا بعد أجيال ، وكان الرهان على الشباب ناجحا في كل مرة..
كل ما يحيط بنا من مجرات ونجوم وأجرام وأقمار وكائنات تعيش في فضاءات وأبعاد وسماوات متعددة نسميها (كوناً)..
الكون في اللغة العربية من كن ويكون والكينونة أي أنه متصل بنا من أصغر وتر فائق (أصغر عنصر معروف في الكون) إلى أكبر مجرة معروفة، وفي اللغة الانجليزية يسمى universe من الأصل اللاتيني uni بمعنى واحد وverse التي تأتي أيضاً بمعنى آية، والكون بحق آية من آيات الرحمن سبحانه..
في آخر الفرضيات العلمية يتداول علماء فيزياء الكم مصطلحات مثل الأكوان المتعددة multiverses والتي تقوم على أن كل وتر فائق في الذرة يتردد بشكل مختلف ولذلك قد يكوّن كوناً خاصاً به، وربما ذلك يفسر نظرية الأبعاد التي حصروها ب11 بعداً على الأقل لا نعرف منها سوى ثلاثة والرابع نظري يسمى (الزمكان)..
التميز وصناعة النجاح، أطلق قدراتك، البرمجة اللغوية العصبية NLP، تحليل الشخصية والخط (الجرافولوجي)، التنمية البشرية، التنمية الذاتية، الطريق نحو الثراء، السر (قانون الجذب)، قوانين السعادة والتفاؤل، الشاكرات، الريكي، علوم الطاقة، الذكاء العاطفي، تدريب المدربين وغيرها من العناوين التي تطورت في العقدين الماضيين واختلط فيها الحابل بالنابل والمفيد بالمكرر وأنتجت لنا نوعين من الناس، نوع يمجد فيها ويقدرها ويتعلمها ويعتبرها ضرورة في هذا العصر، ونوع يرى أنها كلام فارغ ممل وغير مجدٍ ومدعاة لخداع الناس والمكاسب غير المشروعة..
سأقف في المنتصف عند هذه النقطة حتى أعطي كل طائفة حقها ثم أعود لإجابة السؤال..
سأبدأ بالكتب،يحتاج تصنيف القراء لمقالات وليس لفقرة بسيطة، لكنني هنا سأعرج على قراء كتب التنمية الذاتية، فكما أن هناك متعصبون للروايات والأدب، وغيرهم للكتب المتخصصة سواء كانت دينية أو علمية، فهناك متعصبون لكتب التنمية ويقابلهم تيار يعارض وجود هذه الكتب من الأساس، الفريق الأول يرى أن الإنسان لا غنى له عن تثقيف نفسه بتجارب الآخرين حتى يستفيد في مسيرته، الفريق الثاني يرى أن الكلام الإنشائي غير الواقعي التجارب المستنسخة قد تضيع هوية الفرد..
لكن ماذا لو وسعنا دائرة الاستفادة من مفهوم التنمية الذاتية لنصل لنقطة مشتركة؟!
عزيزي الكاتب دعني أولًا أصحح لك المعلومة المذكورة في العنوان، أنت ستسوّق لإسمك ولصفتك ككاتب وليس لكتابك، وكذلك لا تنس أن العمل الجيد سيسوّق لنفسه بغض النظر عن كاتبه حتى لو بعد حين..
الآن وبعد التوضيح، أعرني أذنيك ومع كل خطوة سأهمس لك بها تخيلها معي وكن في اللحظة:
-من أنا؟!
من باب الحرص والسلامة واستشراف المستقبل، تخصص في نوع أو اثنين على الأكثر من الأجناس الأدبية والكتابية: مقال – قصة – رواية – شعر – بحث تخصصي – نصوص مفتوحة – تطوير ذات – تنمية بشرية (تطوير المجتمعات) – ترجمة – مذكرات وسير ذاتية – إلخ
التنقل بين الأجناس بدون خطة محكمة وبدون تدريب وبدون هدف سيفقدك هويتك فأنت لست كاتبًا خارقًا بعد، ستصل لمستوى أتيس منصور ومصطفى محمود وغازي القصيبي ود. أحمد خالد توفيق ود. نبيل فاروق الذين برعوا واستفاضوا وتجاوزت مؤلفاتهم مئات العناوين وفي مجالات مختلفة، وإلى أن تصل لمستواهم وتقرأ أضعاف أضعاف ما تكتب وفي كل الاتجاهات، اكتف بنوع أو نوعين فقط لشحذ تركيزك وسهولة تسويقك لاسمك ولما تكتب..
-نعم، الفريد الأعلى الحاكم السؤدد، لقب اكتسبته بسبب….
-نعم، نعم، لا داعي لمعرفة قصة حياتك، حسنًا سيد (فاحس) هل لديك خبرة سابقة في احتلال الأقمار والكواكب؟! لدي هنا قمر (تيتان) متاح، وكذلك بعض المناطق في كوكب (الأرض) لكني لا أنصحك به، كوكب ممل وثقيل الدم وغثيث ولديهم آلاف العادات واللغات ويصعب توحيدهم تحت راية واحدة..
-أعتقد أنه، آه أعتقد بأنه قد أُطلقت علي صفات مشابهة من قبل، ربما…
-أتقصد أنك ممل وثقيل الدم وغثيث؟!
-أنا فريد أعلى وحاكم سؤدد كما أخبرتك، لكن سبق أن أطلق عليّ بعضهم هذه الصفات التي ذكرتها سيدتي لكني لا أعتقد أنني….
-حسنًا حسنًا، فهمت، لأنه يظهر لي أن اسمك (فاحس) ويعني صفة غير لطيفة في أحد مناطق الأرض حسب دليل اللغات هناك، لا يهم، ربما تليق بك الأرض، سأعرض عليك الأماكن المتاحة وترد بنعم أو لا، فهذه سياسة المجلس الأعلى لغزاة الكواكب ، هل توافق؟!
-نعم
-هناك قارة أتلانتس الغارقة، قوم الأتلانتيك شعب متقدم تقنيا ومنعزلون وقد يناسبك ذلك، وهناك مخلوقات عظيمة الحجم مثل الكراكن والحيتان والكايجو، لكن لن تستطيع حكمهم فوق الماء، يجب عليك أن تغزو المحيط الهادي من خندق ماريانا وتبدأ حملتك من هناك، أيناسبك ذلك؟!
-كلا، لا أجيد السباحة وليس هناك بحار في مجرتي، وكذلك لدي حساسية من الموجات الصوتية ولا أعتقد أنني سوف….
-حسنًا حسنًا ، لا داعي لمعرفة قصة حياتك، كلمة (لا) تكفي، هناك منطقة أخرى تسمى جوف الأرض، لديهم شمس مركزية، وبقايا حضارة الديناصورات، وقبائل يأجوج ومأجوج مهما كان معنى هذا الاسم، هناك عفاريت وجان وشياطين وجحي…، جحيم؟!، جحيم في باطن الأرض، هذا غريب؟! لماذا يسمونه هكذا؟! المهم هناك مملكة أغارثا والساقطون والزواحف والأنوناكي والتايتانز، ما كل هؤلاء؟! يبدو أن من يقطن في باطن الأرض أكثر من سطحه هههههه..
-نعم ههههه دعابة جيدة، لا أظن أن هذا الجو مناسب لي، كي أستطيع غزوهم ينبغي أن أدرسهم جميعا وأحدد الأسلحة المناسبة ونسبة الهواء والغذاء المناسب وكذلك…
-لقد أخبرتك أن كلمة (لا) تكفي، لست في مزاج للمجاملات الاجتماعية معك، حسنًا، هذا يبقى لنا سطح الأرض، بشر وحيوانات ونباتات فقط كما يظهر لي في هذا البعد، هناك أبعاد أخرى في نفس السطح لكن اختراقها يحتاج طاقة عظيمة، والبشر هم من يحكم السطح لكنهم مغرورون ومتفرقون لآلاف القوميات حسب اعتقاداتهم لكن لربما يرحبون لك فهم سهلو الانقياد للأقوياء ويحبون الغرباء القادمين من الأعلى رغم أنهم يعتبرون أنفسهم مركز الكون، ولديهم أهرامات كذلك؟! يا للروعة؟! يا ترى من بناها لهم؟! غنيمة سهلة ولكن توخ الحذر فقط من أفكار جماعة الأرض المسطحة وستكون بخير طالما كنت مثلهم مملا وثقيل الدم وغثيث كما أخبرتني..
-كلا لم أخبرك بأنني ممل وثقيل الدم وغثيث بل قلت لك أن بعضهم قد….
-نعم نعم، قد قلت لي، نعود لموضوعنا، هل يناسبك سطح الأرض إذن؟!
-لا أعلم، يبدو الوضع سهلاً للغاية ولن يعتبر غزوا مجيدا أفاخر به في المجلس الأعلى للغزاة، لكنها فرصة للخروج والتسلية، أين سأبني قاعدتي إذًا قبل الغزو؟!
-رائع، سأصدر قرارًا لك بالسماح بغرو الأرض، أما عن قاعدتك فهناك الجانب المظلم من القمر لكنه محجوز من (فيغا) الكبير ولكن لا تهتم سأستطيع إقناعه بالذهاب لكوكب آخر، وقع هنا وهنا وهنا واذهب للكشف الطبي وأحضر الاستمارات المطلوبة في البيان حتى أضيفه في ملفك، مبارك لك مقدمًا سيد (فاحس)..
-شكرًا لك، وسأحرص على أن..
-نعم نعم، لا داعي، وأغلق الباب خلفك من فضلك، قد حانت استراحة الافتراس ولدي فريسة من مجرة (أندروميدا) تنتظرني..
خطأ تافه من قبلها وإساءة ظن مني جعلاني أتخلى عنها، صورة لها قبل زواجنا تحتضن ذراع رجل غريب وتضع رأسها على كتفه، لم تقنعني مبرراتها بأنه والدها، أعرف شكل والدها المتوفي وهذا لا يشبهه أبداً، فانفعلت وطلقتها..
ثم أكدت لي أمها حديثها بعد فوات الأوان فوضحت لي أنه أباها البيولوجي الذي طلق أمها وهي حامل وعاد ليعتذر منهم بعد انقطاع طويل لغياب الخبر عنه، أما من عاشوا معه فهو زوج امها الراحل الذي عاملها كابنته وقد أعطاها اسمه لكون والدها الحقيقي لم يكن يعرف عن حمل زوجته..
لم أتحمل منظر دموعها الذي ترك خطوطاً في وجنتيها كوعثاء السفر، هي ضحية والأولاد أيضاً، لم يكسر قراري قلبينا بل هشمها تماما وتعذرت سبل الإصلاح فهي لم تتخيل يومًا أن أشك في شرفها وأنا أكثر من أحبّت في هذا العالم بل في نظرها كنت العالم بأكمله..
أريد العودة لأصلح الأمر، حصلت على كتاب عتيق عن فنون السفر عبر الزمن من الدارك ويب لعله يكون هو الحل، يُذكر هنا أن السفر بالجسد غير ممكن بالظروف الحالية ولتعقُّد التقنية اللازمة والتي ما تزال محض نظريات لم تطبق، لكن السفر بالوعي يقوم مقامه فأعود في نفس جسدي لكن بوعيي الحالي، وقد عمل بها من نال مقاما عظيما في الطقوس الثيوصوفية في بعض الديانات..”
29 فبراير 2032
“بعد عزلة قاسية..
أرى أنني صرت جاهزاً للمغامرة، زوجتي حبيبتي في مستشفى الأمراض النفسية منذ الذي صار, الأولاد لم يعودوا يطيقون رؤيتي عندما كنت أزورهم عند جدتهم، فانعزلت في كوخ ريفي كي أطبق الطقوس اللازمة للتصحيح، أهلي وأصدقائي يحسبونني ميتاً بعد أن أبلغوا السلطات التي بحثت عني بلا طائل طولل تلك الأعوام، هذه فرصتي الوحيدة لاستعادة السعادة، سأعود لذات الليلة التي رأيت فيها الصورة وطلقتها وسأختار وقتاً مناسباً لمعرفة حقيقة القصة وإنهائها قبل الجدل الذي كلفنا حبنا، تكمن الخطورة في أن تغيير مسار الزمن ممكن وهذا ما سأتحاشاه..”
الحادية عشر ظهرًا، تميل الشمس باتجاه الجنوب متعامدة على قمم الجبال والأمواج ورؤوس الخلق، يتدنى حد احتمال الناس لأي نقاش، يتسارع الباعة للتخلص من بضائعهم الطازجة لئلا تذوي، ويتجول منتهزو الفرص بينهم للبحث عن أقل سعر ممكن ليأخذوا ما لديهم ويبيعوه على أطراف السوق لرواده المتعجلين لعلهم يكسبون قرشًا أو اثنين كهامش ربح معقول يكفيهم لتدوير عملياتهم التجارية ليوم آخر على الأقل ويكفيهم قوت يومهم وقد يزيد..
وهناك باعة (المغاش) و(الصحفات) والأواني الفخارية المدهونة بالقطران في طرف السوق الأقصى أمام المسجد الحجري القديم، يقضون وقتهم يتداولون شعر (الطارق) وردوده الشهيرة فيما بينهم ويتحدون بعضهم البعض، بينما خلف المسجد في زاوية صغيرة من الظل تقبع امرأة عجوز غارت عيناها وبجوارها كلبتين سوداوين تلهثان طردًا لرطوبة الجو الحار..
تبيع هذه المرأة نوعًا مختلفاً من الإبداع لروادها القلائل، نوعًا مخصصًا من القصص الخرافية التي حورت عبر الأزمان لتصل لمسامع الأطفال عبر أمهاتهم وجداتهم ونساء القبيلة وخيالهن الواسع، قصصًا لا تْحكى إلا ليلًا على (القعايد) بصحبة الفوانيس و(المناوسات) وهدهدة الأطفال لأنفسهم في (الهناديل) والتماعة الأنجم في السماء وهدير الإبل، تبيع هذه المرأة (الخرفينة) بما يقابلها من (خرافين) أو عظمًا لكلبتيها وقد تطلب مؤونة لها أو أعشابًا عطرية تتذكر بها زمنًا غابرًا لن يعود، ثم تنتقل بشكل شبه يومي من سوق شعبي لآخر تحمل بضاعتها الشفاهية لتفرغها في آذان اللواتي يرغبن بقصص الجانب الآخر، وتعود بعدها لتقضي المساء برفقة الليل وبنات جنسها والقمر..
يجري وكأنه يطارد الموت لئلا يسبقه إليه، يعلم بأن مطارديه بطيئو الحركة لكنهم عازمون على اللحاق به مهما كلف الأمر، إنها هوايتهم المفضلة والتي مارسوها لقرون، وجد أمامه بيتًا صغيرًا لا تتبين ملامحه من قتامة الضباب الذي اجتاح المكان وكأنه يهيئ مسرح قصة مرعبة ينتظرها الجمهور بشغف خلف الستار ويعقدون أصابعهم في توتر مصطنع ويستدعون الأدرينالين ليبث الحماس المزيف في عروقهم، يعرف هذا البيت جيدًا، بيت جيرانهم الذي هجروه منذ أن كان طفلًا، لطالما كان يخيفه وهو يمر به. عائدًا من المدرسة قبل أن يصل إلى باب بيتهم.
كان يمشي حينها بصورة طبيعية إلى أن يرى أطلال المنزل فيرفع ثوبه إلى فمه ويضع كتب المدرسة بداخل الثوب وينطلق مسرعًا لئلا يخرج عليه مسخ من ذلك المنزل الذي يكاد يقسم أن قبيلة كاملة من المسوخ والعفاريت تستوطنه ولا تخشى الخروج نهارًا.
قطع سيل ذكرياته وتردد لحظة أمام المنزل ولكن لا مفر من دخوله قبل قدومهم، لا مفر حتى وإن كان يهرب من الموت إليه، فيبدو بأن الموت فاز بالسباق، كعادته..
***
(2)
بدأ الأمر قبل سويعات حينما وصله رد على بريده الالكتروني على رسالة أرسلها قبل عام تقريبا، كان يستفسر عن مراجع تهتم بالتنبؤات predictions، كان مهووسا بفكرة أن يرى المستقبل ويتنبأ باحداثه كما فعل (نوستراديموس) في رباعياته التي تنبأ فيها بأحداث كثيرة منها الثورة الفرنسية والحربين العالميتين قبل قرون من حدوثها.
بقي شخص وحيد يراقب اللاشيء حوله، سكون تام وكأن الأرض قررت النوم بمن فيها عداه، وددت مواساته لكنني من حديد ومساميري تثبتني في المكان كي لا أهرب وأترك الناس بلا مقعد يأوون إليه حين التعب، وكأنه حكم علي أن أعوض أحضان الأحبة والأمهات والقطط. سأنام وليفعل هذا الشخص ما يشاء. إن كان حزينا أكثر من اللازم وقرر إنهاء حياته فستجد الغربان ما تأكله في الصباح، كذلك الأسماك إن رمى نفسه في البحر، المهم ألا أتلطخ بالدماء، ستترك أثرها على جسدي ولن يعيد طلائي مسؤولو الحديقة فهم بخلاء جدًا إلا حين زيارة شخص مهم..
الأحد صباحا..
لا يوجد دم على جسدي، والغربان ما تزال نائمة، والبحر هادئ، ربما قرر ذلك الشخص الرحيل ألى منزله بهدوء، سيجدونه معلقا في مروحة أو فاقد الحياة في مغطس.
أعرف هذه الأشكال جيدًا، سيكون صباحا هادئا بلا مشاكل إلا إن قررت القطط الضالة مطاردة بعضها أسفل مني أو رمتني الغربان والنوارس بدائها وانسلت، تعلمون ما أقصد فأنا لم أتعلم كيفية التعبير عن الأفعال القبيحة بعد.
لأكمل فكرة العنوان قبل الخوض في التفاصيل، الكتابة مشروع لا ينتهي سواء بالنشر المستمر للكتب أو الاستمرارية في الكتابة في المنصات التي تتاح للكاتب من صحف ومجلات ومدونات وصفحات شخصية ومجموعات تهتم بالقراءة والنشر..
راودتني هذه الفكرة وقت قراءة خبر عابر في معرض دولي للكتب في دولة المغرب يخص الكاتب السعودي أسامة المسلم الذي تجمهر عليه محبيه لنيل توقيعه في مشهد يذكرنا بإصدارات هاري بوتر والكاتبة رولينج، لا أعرف الكاتب شخصيا ولم أقرأ له عملًا كاملًا من قبل بل عدة مقتطفات لم أكملها وأعطتني الانطباع كقارئ مهتم بالفانتازيا منذ عقود بأن العمل ليس لي، وهذا الانطباع ليس له ارتباط بأسلوب الكاتب أو فكرة كتبه بقدر ماهي قناعة داخلية وشخصية بأنه لن يستطيع كاتب عربي على جذب انتباهي بعد رحيل العباقرة د. أحمد خالد توفيق ود، نبيل فاروق، ولكن هذا لا يمنعني من الإشادة بجهود الكاتب وحرصه على مواصلة إبداعه الذي يأسر الكثير ونعود هنا لعنوان المقال..
ما الذي جعل أسامة المسلم يستمر ويكسب كل هذه الجماهيرية التي يستحقها، بكل اختصار: مشروعه الكتابي والذي تجاوز العشرون عملًا كما قرأت، وهنا تتضح جدية الكاتب وثقته بنفسه وقدراته ومدى قدرته على المواصلة والاستفادة من النقد وتجاهل الانتقاد والأهم من ذلك كله تحديده جمهوره بعناية، وأهنئه على صدقه مع نفسه حيث لم يستهدف جوائز أو دراسات نقدية أو رأي نخبوي- مع تحفظي على هذه الكلمة لعدم إيماني بفكرة النخبوية ولا أراها سوى تقليد لإبليس في قوله (أنا خير منه)- ولذلك استمر الكاتب أسامة في سعيه لإرضاء ذاته أولًا من خلال غزارة الانتاج ثم ذائقة جماهيره مهما كانت أعمارهم..
مهم جدًا للكاتب أن يستمر حتى لو لم ينشر، هذا يذكرني بأستاذي محمد حسن بوكر غزير الإنتاج الذي شاركنا إصداراته غير المنشورة والتي تعدت العشرين عملًا في الأدب والتاريخ المحلي والشعبي، وبتجربة أنيس منصور ونبيل فاروق وأحمد خالد توفيق وغيرهم تجاوزت إصداراتهم المتنوعة الرقم مائة، وهو دليل ثقافة عالية وقراءة مستمرة فلا يستطيع أي كاتب إنتاج هذا الكم الهائل من الإصدارات بدون قراءة متعمقة ويؤكد لنا مقولة أن الكاتب الجيد هو في الأصل قارئ جيد..
لذلك أرى أن يستمر الكاتب في الإنتاج مهما كانت العقبات سواء في نشر الكتب وتسويقها وحتى الجمهور المستهدف، عليك صديقي الكاتب أن تمكن الأفكار من الخروج إلى العالم وستجد فرصتها يومًا للحياة في عين قارئ متحمس، وقد ينتشر لك إصدار ما فيسلط الضوء على بقية إصداراتك كما حدث للعديد من الكتاب قبلك..