الرحلة من هابيل إلى قابيل

بقلم أ. مهدي عصام

هذا موضوع ثقيل أخذ مني جهداً نفسياً هائلاً. مع الحادثة الأخيرة التي وقعت في مصر، والمعروفة بمقتل “فتاة الشاي”، كانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير. نحن نتحدث عن حالة من التبلد المشاعري وجمود العواطف تفقد معها الاهتمام بأي شيء حولك. فكيف لفتاة تبلغ خمسة عشر عاماً، ترتكب جريمة قتل بدهس بائعة شاي، وتكون أول ردة فعل لها هي الابتسام أمام الكاميرا بكل وقاحة؟! بل وتقوم بحركة بذيئة بإصبع يدها! إن ما أثار اهتمامي وقسم ظهري هو تلك “الابتسامة” وحركة الإصبع الناتجة عن وعي.

وهنا نأتي لتفكيك هذا الوعي؛ يتجلى الأمر في عبارة: “من أمن العقوبة أساء الأدب”. فجريمة القتل في أثرها لدى الفتاة مجرد حادث مروري ثانوي، لأن بائعة الشاي ليست مهمة ولا قيمة لها. عندما يشعر الفرد بأن هناك دائماً مخرجاً ماديّاً أو سلطويّاً لأفعاله (كالاتصال بالأب أو التلاعب بالحقائق ليتولى الأخ المسؤولية) فإن الأفعال تفقد وزنها القيمي. الجريمة تحولت إلى “مشكلة إجرائية” لها حل، وهذا يحول البشر إلى أرقام وثانويات في خلفية المشهد. والنتيجة؟ ناس تكسر وتسرق وتقتل وهي عارفة أن هناك من سينجيها، ففقدت الأفعال ألوانها وضاعت بوصلة الأخلاقيات.

اليوم، أصبحنا نشهد عصر التبلد وعدم الاكتراث كـ “موضة”، بل إن الجيل أصبح يحتفل بالاعتلال النفسي ويراه إكسسواراً وزينة في السيرة الذاتية الرقمية على وسائل التواصل؛ الجيل الحالي بات يبحث عن هوية ولو كانت المرض لأن التميز أصبح يُقاس بمدى الغرابة والشذوذ عن السائد “خالف تُعرَف”.

لذلك، الفكرة بحد ذاتها مرعبة جداً: كلنا قتلة، جميعنا، دون أن نشعر؟. هناك عبارة تقول إننا جميعاً مجرمون ولكن لم تتهيأ لنا الظروف المناسبة! المعايير الأخلاقية تختفي، وفي الأصل، جميعنا نقوم بالتستر طوال الوقت على حقيقة أن وعينا يتعرض للقتل ونحن نغض البصر؛ فالوقائع والوفيات أصبحت مجرد “ترند” وأرقام لا تفرق معنا. هذا التعرض خلق داخلنا نفس شعور الفتاة المراهقة؛ أن كل شيء يحدث هو ثانوي. اليوم لا توجد أي حوكمة، الهاتف هو من يربي؛ وبناءً على مقاييس سادية قذرة، يتغذى الوعي على الشذوذ. والشاذ مخلوق مرعب لأنه لو غضب يتحول إلى وحش منزوع عنه أي مفهوم إنساني.

اختفاء البوصلة الأخلاقية نتيجته وعي شاذ يتعامل مع كل شيء سوي بطريقة غير سوية. وهذا يتقاطع مع نظريات نفسية شهيرة مثل: “تجربة سجن ستانفورد” أو “ابتذال الشر” لحنة أرندت. إن الشر ليس حصراً على الأشرار التقليديين، بل هو كامن في الجميع وينتظر الظرف المناسب والسكين المناسبة. إن تسترنا على قتل وعينا اليومي وتخطيه كـ “ترند” هو أولى خطوات استيقاظ تلك الخلايا النائمة داخلنا. نحن نعيش في عصر “تجريد الإنسان من إنسانيته”، وما كتبته هو صرخة وعي تحذر من أن “الوحش” قد يكون قابعاً في تفاصيل حياتنا اليومية وفي شاشات هواتفنا.

~ مهدي عصام / مؤلف كتاب ما وراء الثقوب الصغيرة

أضف تعليق