ذات حكاية، بدأت من بذرة

ككل ليلة، نتحلق حول جدتي وننهل من حكاياتها التي لا يبدو أن لها نهاية، ولا منطق كذلك، وكأن شهرزاد بعثت من مرقدها، ولكننا نستمتع، وكأن الحياةَ بأكملِها تجلس معنا لتسمع سردها.. 

وككل صباح يليها، وقبل أن نذهب لأعمالنا ومدارسنا، نتحلق حول قبرِها في حديقة المنزل وندعو لها بصباح مشرق كوجهها..

لكن صباح هذا اليوم لم يكن كبقية الصباحات..

هنالك شجيرة نبتت على قبرها، ولم تكن هناك من قبل، أصر  إخوتي على أن نستكمل يومنا، على أن نحكي لجدتنا في المساء، بأن هناك شجيرة تسكن فوقها، لكنني آثرت أن أبقى في المنزل، فقد يأتي صاحب هذه الشجيرة، ويأخذها، وقد يسرق جدتي معها.. 

وقبيل الغروب، جاء رجل عجوز يحمل مجرفة على كتفه، وتبدو نواياه ظاهرة على محياه، وقف أمام القبر وانحنى باعتذار مؤدب، قمت ووقفت حائلًا بينه وبين القبر، وقلت:

-هذه شجيرة جدتي..

رد علي بخفوت:

-بل جدتك هي التي استعارتها، ولم تتملكها بعد..

غرس يده بالتراب وأخرج الجذور لكنها كانت متصلة بشيء أعمق، فهم الرسالة وأعاد الشجيرة لمكانها وأهال عليها التراب، وقال:

-هذا إعلان ملكية، ستبقى الشجيرة مرتبطة بجدتك..

في هذه الأثناء، قدم طيرٌ فوق الشجيرة وأنا ملتهٍ بمراقبة الرجل يعود أدراجه حاملًا مجرفته، يبحث عن شجيرات على قبور لا تنتمي لأصحابها..

لمحت الطير يحاول تقليب الأوراق بمنقاره يبحث عن شيء ما، اختطف شيئا لم أره وطار، قمت أرتب القبر والشجيرة والمكان بينما عاد الجميع وصعدنا للأعلى ننتظر جدتي..

جاءت جدتي تلك الليلة ولكن بلا صوت.. 

كانت تبتسم برضا، وترسم طيرًا يحمل رمزًا موسيقيًا، وترسم برعمًا صغيرًا ينمو في قلب منكسر، لم يفهم أحد ما تريد قوله، احتضنتنا وودعتنا لتذهب إلى النوم، نمنا بلا حكاية لأول مرة..

في الصباح، بكت أمي، قالت إنها نسيت صوت جدتي، وجاء أخوتي وقالوا أنهم نسوا حكاياتها، خرجنا جميعًا إلى قبرها، كانت الشجيرة ذابلة فجاء أبي وسقاها وشذبها، وطلبت منه أن أبقى اليوم كذلك بجوارها..

وفي مساء ذات اليوم، نمت الشجيرة لتصل لحدود نافذة المطبخ، وكأنها اشتاقت لطبخ أمي، كانت عيناي معلقتان بالسماء تبحثان عن الطير الذي سرق صوت جدتي، وعندما غربت الشمس شعرت بالأمان، ولمحت براعم بيضاء تنمو ببطء حول الغصينات..

جاء أبي يحمل مصباحه ومقصًر كبيرًا ليقلم أطراف الشجيرة قبل أن تخترق النافذة، وقبل أن يلمس البراعم والغصينات، سمعنا صوت جدتي تقول:

-انتبه، ستوقظ الحكايات..

تراجع أبي وجلًا وخبأني خلفه، عاد الصوت قائلًا:

-اقترب، لا تخف..

كانت الأوراق ترتجف مع نسمات المساء، وكأنها تريد أن تتحدث، عاد صوت جدتي للظهور:

-قلت لكم أن لكل حكاية بذرة، وعندما يموت أصحابها، تنبت..

في تلك الليلة تحلقنا حول الشجيرة نستمع لحكاية جديدة، ولم نعد نرى جدتنا، وانتقل طقس حكايات ما قبل النوم إلى الحديقة، وعندما تنتهي وقبل أن ندخل إلى المنزل، نقبّل الأوراق والغصينات والبراعم وندعو لجدتي وتنتهي ليلتنا.. 

مع مرور الأعوام، كبرت الشجيرة وأصبحت شجرة..

ولم تعد تنام قريتنا إلا بعد أن يتحلقوا حول الشجرة كل ليلة ليسمعوا معنا حكايات جدتي..

التي لا يبدو لها نهاية، ولا منطق..

لكنها ترويها بحبّ.. 

أضف تعليق