ميتامورفوسيس

نبت لي جناحان الليلة الماضية ولم أستطع النوم، جرب أن تنام على مخدات محشوة بالريش والعظام لتفهم قصدي، فانتهى بي الحال نائماً في وضع التشهد..

بحثت عن مقص في الصباح الباكر لأشق فتحات في ملابسي لتناسب أجنحتي وتغطي عيوب جسدي بذات الوقت، نظرت إلى السماء فانتابني شعور الحنين إلى الحرية وانتهت محاولتي للطيران باصطدامي بمنزل جاري والسقوط على سقف سيارته..

إقرأ المزيد

القطة التي التهمت أحلامي

الخدوش أسفل باب غرفتي هي توثيق لمحاولات قطة أختي لدخولها، بعض العابرين كذلك يخدشون قلبي بمحاولاتهم الفضولية..

أول ما يبادرك بعد دخولك هو السجادة الفاخرة التي لا أجرؤ على السير عليها، أخرجها لدقائق كي أتأمل نقوشها وأتخيل تمددي عليها ثم أعيدها إلى الدولاب المعدني، تماماً مثلما أرى جارتي كل صباح وهي تطعم العصافير فأتحول لعصفور قبل أن أطوي الحلم وأعيده إلى درج أحلامي المستحيلة..

دولابي مصنوع من معدن قبيح، ربما كان أصله إنساناً فظاً لا يصدأ، فالناس معادن وكل المعادن قبيحة لأنها ليست كالجواهر النادرة، لو أن دولابي حجر كريم لكان كأميرات القصص الخيالية اللواتي يتأملن حسنهن في المرآة حتى يغار انعكاسهن ويقرر التمرد..

أما مرآتي فمحظوظة بي، فأنا أخجل من النظر إليها رحمة بها، لكن انعكاسي المسالم يطالعني وأنا عند النافذة أراقب جارتي ويشفق علي وأنا أتقلب في سريري، أظنه هو من أخذ أحلامي من الدرج وأطعمها للقطة التي تعتقد أنني عصفور ناطق وتريد أن تحمي أختي مني..

مؤامرة لم تكتمل فصولها

كتابي الجديد تعرض لمؤامرة..

(رائد) بطل روايتي هددني بالخروج لأنه غير راضٍ عن اقترانه ب(هدى) الجميلة..

يريد (ميساء) اللعوب حبيبةً له..

(حازم) مارس انتهازيته ووقف لي على باب الرواية يلمح بدور البطولة وإلا أقنع أباه (الزعيم) بأن يصالح الشعب ويخمد الثورة فتنهار روايتي..

ولأنني لا أقبل الابتزاز..

قتلت (حازم) في الصفحة الأولى في حادث تسبب به معارض للدولة فانتقم (الزعيم) من كل المعارضين..

وزوجت (رائد) من (ميساء) ففطرت قلبه وانتهى بهم الحال بجرعة مخدر زائدة خلف زقاق..

وجعلت (هدى) رمزاً للثورة..

المجد لرواية بطلتها أنثى..

دموع السماء

‏يأتي البكاء إلى حيّنا في الليالي الطويلة يحمل جُوالاً بلون الغيم، يطرُقُ الأبواب ويُطرِق السمع لتنهداتنا، يجمع دموعنا ويعود فيمتطي سحابة ويذهب لحقول المطر فيبذرها ويحكي للرباب أغنياتنا فتنهمل

البيضة التي كانت فأساً..

قررت الشجرة أن تضع خليفة لها فتمخضت عن بيضة بلون ترابي مزيج من ألوان الخشب والطين والرماد، ألقت عليها سيقانها وجذورها ورعتها إلى أن فقست عن برعم صغير..

كبر البرعم في كنف أمه الشجرة، استطال واستغلظ، قرر أن يتحرر فسحب قدميه من وطنه وخطرت له الفكرة أن يطير، احتضن شجرته وجرى بأقصى ما يستطيع و..

طار..

نبت له جناحان..

صار فراشة..

بلون أخضر زاهي يشبه عين فاتنة سمراء..

إقرأ المزيد

لا تنم على قارعة الطريق..

ضرب بتشفٍ بقايا عظم سمكة على رصيف مجاور لحاوية النفايات، استمر في ضربها بنصف عصا وهو يضحك بسادية متخيلاً إياها القطة التي منحته ثلاث خطوطٍ دامية على ذراعه حينما لاطفها بالأمس، تناثرت عظام السمكة وكأنه بذلك يريد أن يحرم القطة منها في حال عودتها مرة اخرى، سبق وأن تسلق الحاوية ليرى إن كانت القطة تسكن بالداخل لكنه لم يرَ سوى أطنان الطعام من سحور البارحة، اشتهى أن يقفز بداخلها ويفتح الأكياس ولكن نظرة صارمة من أمه جعلته يتراجع ويقفز من على الحاوية على قدم واحدة فاستعان بالعصا المكسورة لتعينه في عرجته..

تململ في مكانه على الرصيف بجوار أمه يراقب أختيه تذهبان بين السيارات وتعودان بأوراق ثمينة لأمه التي تخبئ جزءاً منها بداخل صدرها والباقي تحفظه في منديل مهترئ ليأخذه لاحقاً الرجل ذو الشارب الضخم الذي يعيدهم للمنزل..

شعر بالنعاس فوجد (كرتونة) بجوار الحاوية، أخذها وفككها بصعوبة، انتهى الحال بها ممزقة كقلب عاشق، جمعها على الرصيف في أبعد نقطة عن الشمس، تمدد عليها وراقب السماء منتظراً منها أن تمطر بغزارة كي يعود ويلعب في الطين..

غفى فنهرته أمه وحذرته من النوم على قارعة الطريق فلديهم

منزل يعودون إليه..

(الصورة لعلي الجمعة)

البعد السابع (تشويقة 4)

تشويقة من روايتي المقبلة (البعد السابع)

****

ازددت حيرة، كل ما يتحدث به يقربني من الحقيقة أكثر، بدأت أرى الروابط الخفية التي توضح لي الصورة، لكنني عاجز عن التعبير عنها بشكل لا يوحي لمن يسمعني بأنني فقدت عقلي، هممت بسؤاله عن طريقة للتبسيط، تحويل الأفكار والصور في رأسي إلى أحرف، هزّ رأسه موافقاً رغم أنني لم أسأله بعد:

-أعلم ماذا يدور في رأسك ؟! كيف رأيت الحقيقة وكيف تري ذلك للناس ؟! أليس كذلك ؟!

هالتني قدرته على رؤية الاسئلة وهي تحوم حولي تبحث عن إجابة لتحط رحالها فيها، قررت الاستيضاح منه لاحقاً عن قدرته هذه وانتظرت توضيحه لمعنى الحقيقة..

إقرأ المزيد

البعد السابع (تشويقة 3)

(تشويقة من روايتي المقبلة: البعد السابع)

****

-ماذا تعني بقولك الفكر الحر، هل هناك فكر غير حر ؟!

-نعم دونما أدنى شك، الفكر الجمعي الذي يقوم على بوتقة الأفكار في نطاق (الجماعة)، سواء كانت هذه الجماعة طائفة أو مجتمع مدني أو قبلي، دعني أقرب لك الأمر أكثر..

تحولت البيئة التي يجلسون فيها إلى صحراء يباب، الرمال الناعمة تكسو الأرجاء على مد البصر، مجموعة من مجسمات المدن الصغيرة خلفهم على خط واحد ممتد، سماء معتمة كأعماق كهف، يقفان في المنتصف بينما ضج عقله بالأسئلة..

-قبل أن تسأل دعني أوضح لك الفرق في أنواع الفكر الحر، هناك عقل يتحرر من القيود ليكتشف الطريق، وهناك عقل يتحرر من القيود ليهرب، وهناك عقل يتحرر ليجابه ويعاند..

لو ضربنا مثلاً بثلاث أشخاص خرجوا من وسط المدن التي تراها أمامك والتي تمثل كل طبقات المدنية والحضارة والوعي الجمعي والعقل المسير، فلا ترى إلا ما يرى سكانها..

قيل للثلاثة أن هناك صحراء شاسعة لا ترحم أمامهم، فإن اختاروا خوضها فعليهم الخروج من المدينة، هذا سيعني العزلة والوحدة..

أولهم تمرد واختار الصحراء فمشى فيها في ذات الظروف التي نقف فيها الآن، على غير هدى، فلو أنت مكانه إل أين ستصل؟!

-أغلب الظن أنني سأموت من غير أن يعلم بي أحد، سأتخبط في الوجهات وسأحتار في اختيار طريقي، كل الطرق لدي مشاعة إلا طريق العودة لما هربت منه..

-أحسنت، ماذا عن الآخر الذي قرر العودة والمجابهة وأن يعيش على حافتها، بين المدنية والصحراء ؟!

-سيضيع حياته في الجدل على ما أعتقد، يريد أن يثبت لهم أن المدنية خطيئة وأن الصحراء هي الحل، لكنه لم يجرب خوضها وهم لن يجربوا الاستماع إليه وسيعتبرونه مارقاً وانهزامياً..

-ماذا عن الثالث الذي سيخرج وقد حدد طريقه ؟!

-سيصل حتماً، ولكن كيف ولا يوجد أي وسيلة لمساعدته في الخروج من التيه ؟!

-انظر معي إلى الأعلى ..

نظرا معاً وإذا بالسماء المعتمة تزينت بمصابيح وأنجم وازدانت بسحب المجرات العنقودية والمخروطية..

-يا رباه، منظر يلين له القلب وتتوق إليه العين..

-سيستطيع صاحب الفكر الحر أن يهتدي بهذه النجوم، فإن فعل فسيصل إلى النهاية، ترى لو كنت مكانه هل ستصل ؟!

-نعم طالما اهتديت بها وتابعت المسار إلى آخره.. ولكن ماذا سيحدث حينما أصل ؟!

-ستصبح نجمة..

البعد السابع (تشويقة 2)

تشويقة من روايتي المقبلة (البعد السابع)

****

بان الرضا على ملامحه حينما سهمت متفكراً فيما قال، ثم أردف:

-دعني أضرب لك مثالاً آخر..

ومن العدم ظهر كتاب ضخم يحوي آلاف الصفحات على الطاولة التي تفصل بيننا..

-هلا قرات العنوان ؟!

رغم أن اللغة المستخدمة تحوي أشكالاً معقدة لكنني قرأتها بسهولة تامة مما أثار استغرابي..

-المسار السادس والتسعون بعد الألف، ماذا يعني ذلك ؟!

-سأشرح لك بالتفصيل، افتح الصفحة الأولى، ماذا ترى ؟!

-صفحة بيضاء كأرواح العاشقين، هناك نقطة صغيرة سوداء في منتصف الصفحة شوهت بياضها..

-لنعتبر أن هذه النقطة هي البعد الصفري.. اتفقنا.. اقلب الصفحة..

قلبت الصفحة فوجدت صفحة بيضاء أخرى ونقطتين..

إقرأ المزيد