أجنحة من عاج

اصطففن مبتهجاتٍ، يلبسن حُللاً نورانية بيضاء، شعورهن صففت على الجانب كالأميرات، والأجنحة العاجية الصغيرة ترفرف في حماس يشبه أول يوم في المدرسة..

توقف الزمن، فُتح باب اللانهائية، طرن جميعاً إلى النوافذ، وبابتساماتٍ صُنعت من الحب، وقفت كل واحدة منهن أمام أمها النائمة..

يهمسن في آنٍ واحد لأمهاتهن المتوجعات ” أمّي، أمّي، انظري إليّ، أنا في الجنة، لا تحزني، سأنتظرك وسنلعب تحت الغصن الداني” يقبلن خدود أمهاتهن ويعُدن قبل إقفال الباب..

تضع إحدى الأمهات يدها على بطنها، متحملة وجع ما بعد الولادة، وألم فقدان طفلتها الرضيعة، تتحسس قبلة على خدها تخيلت لها، لعلها كانت تحلم..

خوفٌ ممزقٌ يحتضر

كان الخوف يمشي في أمان، يحاذي جذوع الأشجار، ينزوي بين الظلال كي لا يراه أحد..

وعندما رآه الناس انطلقوا خلفه، كان يجري وهم وراءه وهو لا يدري لماذا يطاردونه ؟!

فهو يعلم بأنه مؤذٍ لهم وهو لا يريد أن يؤذيهم..

سمع صوت السباع من خلفهم..

زاد في سرعته وزادوا معه هرباً من السباع، سقط أرضاً في الغابة فالتموا حولوه وتنازعوه..

أحاطت بهم السباع، حريق وغرق وارتفاعات وغرف مغلقة وعناكب ومتنمرون وفراق أحبة وغيرها كثير، كان الناس يمزقون الخوف ويطعمونه لهم، هدأت السباع عندما تذوقت طعمه، مكث الناس دهراً في منتصف الغابة، كلما زمجرت السباع قاموا ليمزقوا مزيداً من الخوف بأيديهم ليسكتوا سباعهم..

أشرقت شموسٌ عدة والخوف ممددٌ بقلب محتضر، كلما مزق الناس منه شيء عاد لينمو، ربما سيموت الخوف في أمان إن توقف قلبه..

ألبُكّة وخردل بعسل الصنوبر ..

(1)

كانوا في المنتصف، صاحب المطعم وصديقه الصحفي المتخصص في مجال الأغذية والطبخ وثلاثة آخرون معه: ذواقة وناقد وثالثٌ يراقب..

جلسوا على طاولة مربعة، خمسة كراسي أحدها استعاروه من الطاولة الخلفية، ضوء الشمس يسترق النظر عبر ثنايا ستائر البامبو الفخمة على النوافذ..

الجو بارد لا يطاق وزاده برودة ذلك الهدوء الذي جمعهم قبل أن يطلق صاحب المطعم كلمة بددت السكون:

-ألبُكّة.. هاه..

وهز رأسه بندم ممزوج بالغضب وقام يجر خطواته نحو الباب ففتحه وأشار بيده للبقية أن تفضلوا خارجاً، تمعن في ملامحهم العابسة غير الراضية على طرده إياهم وهو يستذكر الأحداث التي سبقت هذه اللحظة في الأيام الثلاثة الماضية..

إقرأ المزيد

روتين

استيقظت فجأة، وبحركة آلية توجهت إلى دورة المياه، وقفت تتأمل وجهها في المرآة، رفعت حاجبيها، تثاءبت، مطت شفتيها وزمتها، أغلقت عينيها ثم فتحتهما بأقصى اتساع، وضعت يدها على حافة الحوض واقتربت من المرآة، التصق أنفها بأنف انعكاسها، وبينما هي تبحث عن تجعيدة جديدة في بشرتها، استفزتها التقلصات العجيبة التي يتعمد الانعكاس صنعها في وجهها، تشعر وكأنه يسخر منها، وكأنه يقلدها، غضبت لوهلة، غسلت وجهها وجففته وفرشت أسنانها، عاد انعكاسها يقلص ملامحه باستخفاف، امتعضت واتسع بؤبؤ عينيها، تلك الحركات المجنونة التي يقوم بها الفرد حينما يعلم أنه غير مراقب..

هز انعكاسها كتفيه بلا مبالاة وأعطاها ظهره وتوجه إلى الباب وفتحه بينما هي تراقبه في حقد، عادت لسريرها بداخل عالم المرآة وهي تغمغم وتستنكر هذا الروتين الصباحي المعتاد..

بقايا وصية

في جولته المسائية لتفقد القرية، وخلفه كاتب الديوان يريد اللحاق بالضوء الأخير لأنه يعاني من العشى الليلى، وقف (عميد القرية) عند أحد المنازل متفحصاً..

-تعال يا بني، انظر هنا، أترى اللون الداكن في ثنايا باب المنزل، هذا من آثار الطرق باليد، سنجعلهم يطرقون بالفأس عوضاً عن ذلك، كل صاحب منزل لا بد أن يعلق فأساً صغيرة أعلى الباب ليتم لطرق بها..

سجل الكاتب ذلك..

-وهنا، أترى وهج الفانوس، هذا زيت الحوت، هذا هدر لمواردنا، سنجعلهم يستخدمون دهن الغزلان فما أكثرها في وادينا، اكتب وسنعطيهم تعميماً بذلك..

-وهناك، رائحة الشواء تبدو شهية، هذا سيثير الفقراء، يمنع الطهي بعد المغيب..

-وهنا، طفلٌ يقف متسخ الملابس، هذا إهمال من والده..

قاطعه الكاتب:

-هذا يتيم يا سيدي، أمه تعمل في دارك، وهو يقف عند الباب ينتظرها مع أخته كل ليلة..

-وإن كان، هذا لا يليق، اكتب:

وقوف الطفل عارياً أهون من وقوفه بملابس متسخة تجذب الطالع السيء والشياطين..

لقد حان المغيب، سنعود ولا تنس أن تعمم ما قلت على أهل القرية..

علق كاتب الديوان التعليمات على دار (العميد) الذي ينتصف القرية، وبأعلاه عنوان (وصية)..

فارق (العميد) والكاتب الحياة تلك الليلة احتراقاً جراء سقوط الفانوس المشبع بدهن الغزلان..

ظن الناس أن الورقة التي احترق معظمها هي وصية (العميد) الأخيرة..

مرت قرون، قد خلت الأودية من الغزلان، يبيت الناس جوعى إلى انفلاق الصبح، والأطفال يقفون كل مساء بلا ملابس عند الأبواب وأعلاهم فأسٌ صغير..

لم يعد مجدداً وما زلت أنتظر

كنا جالسين عند البحر في بقعتنا البعيدة عن أنظار الصيادين، لم نتجاوز العشر سنوات حينها، قال لي والشغف يملؤ عينيه الزرقاوتين كما تفعل العينان حينما تكتشفان صديقاً أثيراً:

-لقد حكت لي جدتي عن رجل أشيب، يخرج من البحر قبل الفجر ويمضي إلى السوق ويقضى حاجته ثم يعود إلى البحر حالما ينتهي قبل شروق الشمس..

نظرت له في ملل وقلت له:

-وأين يضع قاربه يا ترى ؟! بالقرب من مرسى الصيادين..

-لا لا، أقصد يخرج من البحر، من عمقه، بلا قارب..

استنكرت ذلك، رددت عليه باستخفاف:

-يخرج من منتصف الماء، ستقول لي الآن أنه يخرج بلا بلل..

-نعم نعم، كشَعَري الآن، جاف ومالح..

-ستقول لي الآن أنك شاهدته أيضاً، أليس كذلك ؟!

-في الحقيقة، أجل، رأيته مراراً، خفت ألا تصدقني فقلت لك أن جدتي أخبرتني بذلك..

-وهذا يعني أن جدتك لم تخبرك وأنك تكذب علي..

-لا لا، هي لم تقل لي، لكني لا أكذب بل رأيته معها..

أزحت يده من على كتفي، لا أصادق الكاذبين، دفعته بعيداً، بكى بدموع يبدو لي بأنها أشد ملوحة من البحر

هرب إلى البحر، ولم يعد مجدداً..

ها أنا ذا عند ذات البقعة قبيل الفجر

مرّ ثلاثون عاماً

أترقب رجلاً أشيباً يخرج من البحر

فأسأله عن طفل له عينين زرقاوتين

يريد صديقاً أثيراً..

لعله هو يعاني مني

-أخبرني بالتفصيل، بماذا تشعر ؟!

-هل تخيلت سرطاناً ينهش جسدك، وحيداً في غرفة متهالكة، في بلدة نائية، في ديار حرب، إن لم تمت من السرطان، قتلت بصاروخ طائش، أطلقه مراهق يريد استعراض رجولته،

وإن لم تهلك من الوحدة، قضى عليك الجوع..

تسمع أصواتاً بالخارج فتقوم لترى من بالباب، جنودٌ يريدون غرفتك للاختباء، فترتجيهم بأن يتصدقوا عليك بطلقة واحدة بين عينيك تنهي ألمك..

هكذا أشعر ..

ككلب أجرب، في منتصف بقعة رملية تغص بالنمل الذي يتلذذ بتقرحات جلده، في منتصف وادٍ باغته سيل عرمرم يحمل الأحذية والقذارات والقطط النافقة في طريقه، تلاحقه نظرات المارة والمراقبين بين أسىً واشمئزاز، ينتظرون اللحظة التي سيصفعه فيها السيل فيقضي نحبه، هذا إن لم يفترسه النمل أولاً..

وكأنني مرآة مكسورة، تحملها عجوز غَرَب حُسنها، تطالعها بعين بيضاء كزبد البحر، ترتعب المرآة فتتشظى، ومع كل شظية قطرة دم مسمومة لا يرتجى منها حياة..

-هل هناك مشكلة بعينها تؤرقك ؟!

-لا.. قليل من هنا وهناك.. لا شيء محدد..

-أظن أنك تعاني من اكتئاب حاد، نقص في ثقتك بنفسك، تشعر بأنك لست كافياً مهما فعلت، هل أنا أقترب مما يدور في بالك ؟!

-لا أعلم يا دكتور، لعل الاكتئاب ذاته يعاني مني ..

لو استطاعت نفثها بعيداً كما الدخان

استغرقت نفثتها الأخيرة طويلاً وهي تراقب الدخان الأبيض المتموج يملؤ الأفق الماثل أمامها، كان بؤبؤا عيناها يتراقصان في جذل وهما يراقبان المعارك المحتدمة التي يرسمها الدخان الكثيف في صورٍ متداخلة تذكرها بأشكال السحب في منتصف ظهيرة شتوية..

هي لا تحب رائحة (المعسل) الذي اعتادت على مقارعته مع صديقاتها حين يهربن خلسة من محاضرات الكلية ويتحملن من أجله مضايقات لا حد لها من ذباب الطرقات، ولا تحب رائحة (السيجارة الالكترونية) التي أهدتها لها صديقتها في عيد ميلادها والتي تذكرها رائحتها بمنزل بعد الترميم أسرف أصحابه في استخدام معطر الجو حتى نفذ الأكسجين بجلده من الغرفة كي لا يختنق، ولا تحب حتى رائحة (سيجارة النعناع) التي لا تختلف إلا بالدخان الأبيض عن أي مشتق لاذع يحتوي النعناع كاللبان وغسول الفم..

كل ما تنتظره من طقوس التدخين اليومية هو مشاهدة (الدخان) الأبيض يتموج وكأنه يحكي قصة حياتها شديدة التعقيد فهي تدرس تخصصاً لا تريده وقد وافقت عليه فقط كي تقدم يومياً إلى المدينة هرباً من واقعها فوالدها معلم على وشك التقاعد وأمها هي زوجته الثالثة وأخوها الأكبر الذي يعمل معلماً أيضاً يريد تزويجها من صديقه القاضي بينما أختها من زوجة أبيها الثانية تريدها لشقيق زوجها وأخوها الأصغر يتنمر عليها ويتجسس على هاتفها ليرى من تحادث وماذا تنشر في مواقع التواصل وكونها وحيدة أمها جعلها تتمسك باستقلاليتها والتي تهددها بالمقابل صديقتها التي تعلقت بها لدرجة كبيرة وكأنها …، شخصيات وصراعات وتعقيدات وقصص تراها أمامها تتداخل مع الدخان الابيض الكثيف الذي لم تأبه يوماً برأي المجتمع والعادات والتقاليد فيه..

كل ما تتمنى يوماً لو أنها نفثت حياتها بتعقيداتها بعيداً كما تنفث الدخان، أخذت نفساً أخيراً وعميقاً وأطلقته في هدوء وهي تتخيل الموقف..

ستة

(1)

تنهد طويلاً، تنهيدة الراحة بعد عناء العمل، لا شيء يسليه في غربته كما خرائط السناب تشات ليرى ما يدور في المدينة التي يقطنها، رغم غربته فلم يجرؤ يوماً على الاحتكاك بأهلها رغم روحهم الاجتماعية المشهود لها..

طبق مكسرات فاخر، مشروبان للطاقة، إضاءة نيونية خافتة، موسيقى كلاسيكية، معسل، هذه الخلفية التي كان يعتمدها مع سنابه الخاص كل ليلة، لكن لا توجد مشاهدات ولا إضافات، ولم ييأس بل استمر في روتينه اليومي، يصور الحدث، يرسله في القصة العامة، يتابع آخر الأحداث ومع كل حدث سعيد هناك دبوس يغرز نفسه في جسده كدمية فودو ليذكره بعزلته..

ثم شاهد في نهاية الليلة ذلك المقطع القصير، يد رقيقة ترسم الرقم 6 بشكل فانتازي مبهر، تضيف له الرمل والزجاج والطلاء الأحمر القاني، وموسيقى ميتال صاخبة وأضواء تذكره بالتنويم المغناطيسي..

إقرأ المزيد

الشاهد الذي رأى كل شيء ..

(1)

وقفوا جميعاً أمام الضابط المسترخي على كرسيه الوثير، وبنظرة جانبية إلى الشرطي أوعز له بسرد ما حدث، اخبره الشرطي بأن اشتباكاً حدث بين المراهق الذي يقف أمامه ورجل المرور والبقية هم شهود على ما صار..

تجاوز الوقت منتصف الليل واقترب من الفجر، أخذ الضابط سيجارة من النوع الردئ الذي لا يستسيغه لكونه يريد إجبار نفسه على الإقلاع عن التدخين، أخذ نفساً عميقاً فاحترقت رئتاه وتغضن وجهه وكأنه استنشق الجحيم، أخرج الأنفاس متلاحقة مكتومة كسيارة ميكانيكي مهترئة، أشار بيدٍ إلى المراهق ليتحدث بينما وضع يده الأخرى التي تمسك السيجارة على فمه ليمنع رئتيه من الهروب..

وقف المراهق معتداً بذاته، بشعره الناعم بخصلاته الذهبية والزرقاء وبوقفة تحسدها عليه أجمل الجميلات، أشار بيده إلى رجل المرور وقال:

-سأحكي لك ما حصل..

إقرأ المزيد