من يحرس الحرس؟!

هكذا بدأ يومي المعتاد:

استيقظت على دويّ مفزع، كأن طبول الحرب قد تعالى صراخها، أشاهد المنبه لأتأكد إذا ما هنالك وقت لغفوة كجندي مرهق في وسط معركة يفقد اتصاله بالواقع بعد أن اعتاد وقع القنابل، ما يزال لدي ساعة على موعد العمل، ربع ساعة مضت وعقلي يفكر في مصدر ذلك الصوت، هل أفتح التلفاز؟! هل أقوم من سريري؟! هل هنالك وقت للاغتسال؟! هل ما زالت (مرام) تحبني؟! هل سأحصل على ترقية هذا العام؟! هل سأقوم من سريري قبل أن يرن المنبه مجددًا أو يسقط السقف على رأسي؟!

بتثاقل جررت خطواتي إلى المغسلة، لم يتغير شيء، أبدو عاديًا كأي رجل في مدينتنا، لا وسامة تذكر، ولا شهرة ذائعة، ولا ثروة ورثتها من قريب مغترب، في الحقيقة كل أقربائي يتدينون مني ولا يرجعونها، وكأنهم يخافون أن أهرب يومًا ما وأموت في بلدٍ لا يعرفني فيها أحد ولا يرثني أحد منهم، هناك تجعيدة جديدة بدت على جبهتي، وانحسارًا متزايدا لمقدمة رأسي، لثتي ما تزال ملتهبة والسواد أسفل عينيّ يتسع كأنه أحدهم صبّ حبرًا أسود على حزني، وزني ثابت رغم حركتي الدائمة، لعل الميزان يحتاج لبطاريات جديدة، أيريد أن يرثني هو الآخر قبل أن أرحل؟! كيف أرحل وأترك (مرام)، هل ما زالت تحبني؟!

إقرأ المزيد

تاروت

ملكة الكؤوس، عشرة عصي، الأحمق، الساحر، الشيطان، وكروت أخرى تتابع نزولها على طاولتي، كنت أفرزها مرة تلو مرة جرّاء الملل، ربما لو احترفت لعب البوكر لكسبت أكثر، ربما..

سأحكي لك طاقتك، أنت متعب، أنت واقع في الحب، أنت تعاني من خذلان، أنت تشعر بالمرارة، التاروت لا يكذب، التاروت ينقل لي طاقتك، كما الأبراج، لا أدعي معرفة المستقبل من بطاقات التاروت، بل المستقبل واضح لي لأن الحاضر يرسم معالمه على ملامحك..

لطالما نسي الناس هذا السر الخطير، فن يدعى الفراسة، من ملامحك أدينك، من تعابير وجهك وارتجاف شفتيك، ورفرفة أجفانك، وهروب عينك لأقصى اليسار تبحث عن كذبة تغطي بها سوءتها، لن ينقذك خيالك هذه المرة، أنا قارئ التاروت كما هو معلن خارج محلي، لكنني حقيقة أقرأ الأفكار، الأوجه، تلك هي موهبتي الحقيقية، أتلاعب بالباحثين عن الحقيقة التي تسطع في أعينهم كالشمس لكنهم يختارون إغماض أعينهم خوفًا من مواجهتها، أحرك ضحاياي كالدمى، يمنة ويسرة، أمنحهم أملًا زائفًا وتحذيرات لا منطقية، وأخفي عليهم المزيد، لكي يعودوا، فقراءة التاروت إدمان، وطاقته أقوى من الطالع والفنجان، هذا ما يعتقدونه، هذا ما يريدون تصديقه، وهذا الذي يمنحني القوة عليهم، والمال أيضًا..

لكن ما لم أحسب حسابه هو هذا الشخص الماثل أمامي، جامد كتمثال روماني في متحف لا يزوره أحد، أحاول قراءة ملامحه، أبحث عن سر، فكرة أبدأ بها حديثي، فرزت الأوراق مرارًا ولا تطاوعني يدي أن أطرح أي بطاقة على الطاولة، ماذا أقول له وكيف؟!

أشار إلي بالتوقف عن فرز التاروت، وقال لي “ضعها على الطاولة”، كانت مبارزة من التحديق بيننا ننتظر من الذي سيغمض عينيه أولًا، خاوية نظراته من أي تعبير، كأنني أتحدث إلى جثة هامدة فقدت حقها في الحياة فجأة، طلب مني أن أسحب كرتًا من أعلى المجموعة إن كنت أريد معرفة من هو، سحبت الكرت ووضعته على الطاولة، كانت بطاقة الموت، في طاقة التاروت تعني أن شيئا قديما سيرحل وشيئا جديدًا سيأتي، من الموت تأتي الحياة، هذا معناها الضمني والطاقة التي نفسر بها وجود هذه البطاقة عندما تنزل لأي عميل، حاولت أن أشرح له وأسترجع ثقتي لكن لساني انعقد، وهذا الشخص الغريب أمامي يتمعن في ملامحي بتشفٍّ، انقلبت الآية وصار هو من يقرأ وجهي ككتاب للأطفال..

-أحقًّا لم تعرفني؟!

وأشار إلى بطاقة الموت..

استوعبت ذلك أخيرًا، إنه حاصد الأرواح، زيارة لم أكن أتوقعها، تجمدت في مكاني وأنظاري شاخصة إلى السماء لا تعلم ما الصاعقة التي حلّت عليها، سيكتبون في نعيي أنني توفيت جرّاء أزمة قلبية، وبجوار النعي بطاقة تاروت تحمل صورة: الموت..

استحضار

كانت المرة الأولى التي أشارك فيها في جلسة لتحضير الأرواح، ثمانية أشخاص متشابكو الأيدي ورؤوسهم مطرقة للأسفل، متحلقون حول الوسيط الذي يحاول التركيز بشدة ويطالبهم بالصبر فالروح آتية لا محالة وقد يسبب حضورها انطفاء الكهرباء وربما هواءً باردًا تقشعر له أبدانهم..

مهلًا، عن أي شيء يتحدث هذا الوسيط، ها أنا ذا في طرف الطاولة أناديهم لأُعلمهم بوجودي لكنهم لا يرونني ولا يستشعرون حضوري..

أيها الوسيط؟!

قد نجحت في استحضاري فماذا تريد الآن؟!

لماذا تخبرهم بأن الروح ترفض الحضور؟!

أنا هنا..

ألا تروني؟!

ربما لو لعبت معكم قليلًا فقرعت الطاولة أو حركت شيئًا ما عليها، أيها الوسيط ماذا يجري لك؟!

لماذا ترتجف وتدعي الدخول في غيبوبة وتتحدث بلساني، هل يصدقون هذا الهراء؟!

أنا لا أرتدي ملاءة بيضاء وحتمًا لست طيفًا متوهجًا، ألم تفهموا كُنه الروح بعد؟!

مهلًا مهلًا، هذا ليس الوسيط!!

الوسيط بجانبه فاقد الوعي، يبدو مألوفًا، يا للهول، إنه يشبهني، هل هذا أنا؟!

هل استحضر الوسيط الحقيقي روحه التي هي أنا بالخطأ فخرجت ولم تُعد؟!

أريد أن أعود لجسدي أرجوكم، أنت أنت يا من يرتعد، أعدني لحيث أتيت، لا أريد أن أفارق جسدي، لماذا كنت أسخر من هذا الاستحضار، هل كنت لا أؤمن بذلك وأمارس النصب على الناس ضد قناعاتي لأستغلهم فتمت معاقبتي لأرى الحقيقة بعيني التي انطفأت؟!

هناك بوابة تنفتح بالأعلى، كائنات سماوية قادمة لاصطحابي، يا رباه ما الذي اقترفته؟!

الرجل الذي أصبح ثقبًا أسود

(1)

“سأحدثكم عن اليوم الذي انتهى فيه العالم..”

بدت ملامحه هادئة وهو يهمّ بسرد حديثه على تسجيل الفيديو في الصاروخ الفضائي الذي يقلّه إلى المجهول، كانت ملامحه هادئة بعكس وجهه المشتعل، حرفيًا..

“لا تخشوا وجهي المشتعل فأنا لا أشعر بالألم، تخيّلًوا فقط أنكم تتحدثون إلى نجم، نجم حقيقي كباقي نجوم الكون، لا تتعجبوا فسأحكي لكم القصة، أتعلمون، ربما كنت مبالغًا في ردة فعلي وهذا ليس أسوأ شيء حدث لي، ربما للعالم، نعم، أنا أسوأ ما قد حصل لهم، لكنني لا أشعر بسوء، هناك رسالة في الموضوع، ربما أنا أحكي لكم الآن لتصلكم هذه الرسالة، ربما لن تصل، لا أعلم، مهلًا لا تستعجلوني، أنا أتحدث كثيًرا كصرّار الليل، أتعلمون، الآن أشعر بالشفقة على الطبيعة بأشجارها وممالك حيواناتها وبحارها، لم يكن لهم ذنب فيما حدث، أشعر برغبة في البكاء، لا أظن أن عيني قادرة على إفراز الدموع بعد اليوم فلا يوجد سوائل في جسدي، نار ملتهبة فقط، ألم أقل لكم إنني نجم، وفي الطريق لأن أتحول إلى….، أتعلمون، دعوني أحكي لكم القصة أولًا لكي تفهموا، بدأت الحكاية منذ سبعة أشهر تقريبًا، بدأت بشعور الألم الحارق قي صدري، وكأن بركانًا شعر بالحنين إلى غيمة في السماء كانت تظلّه، فانفجر شوقًا إليها”

إقرأ المزيد

بركة

العام 2020
كانت الإصلاحات على قدم وساق في تلك العيادة البيطرية في حي بروكلين بمدينة (نيويورك)..
الطبيب الشاب(مايكل) يكاد يقفز فرحًا بعد أن ضمن الحصول على أدوات جراحة جديدة وأجهزة حديثة وغرف أوسع ليمارس شغفه في إنقاذ الحيوانات التي تركها مالكوها..
أسرّت له الممرضة باستغرابها، ما سر تلك الهبة الضخمة التي تقدر بستة ملايين دولار والتي تركتها لهم سيدة عجوز في وصيتها قبل أن تغادر للعالم الآخر؟!
هز الطبيب كتفيه بأنه لا يعلم لكنه سعيد بهذا الكرم، لعلها امرأة تحب الحيوانات كما نحبها، نظر لاسم العيادة في اللوحة الأنيقة الجديدة (عيادة بليس المجانية للحيوانات) والذي كان شرطًا في قبول الهبة أن يتم تغيير اسم العيادة، بليس Bless تعني بركة، هذه العيادة حقًا مباركة..

العام 1980

حقبة الحرب الباردة بين السوفييت والأميركان، ما تزال آثار حرب (فيتنام) وثورة الهيبيز المسالمة تلقي بظلالها على الشارع الأميركي..
(آن)..
فتاة في الثامنة عشر..
بلا مأوى..
طردت من أمها التي تزوجت عشيقها الذي ضربها لأنها لم تستجب لإغواءاته فألّب صدر أمها وأوغره عليها حتى طردتها من المنزل..
والدها قتل في غابات فيتنام..
ليس لديها عمل..
لم تكمل دراستها..
نجت من اغتصاب عشيق والدتها..
ليس بحانبها أحد..
وحيدة..
تمامًا..
تقف على حافة جسر (بروكلين)..
أغمضت عينيها تستنشق ما أمكن من الهواء قبل أن تقفز تاركة ورائها عالمًا لا يعلم بوجودها أصلًا..

إقرأ المزيد

كارما

(1)

أثار حفيظته ذلك الاتصال المفاجئ من جاره القديم ورفيق الطفولة (ماجد)، لم يتواصل معه منذ عقد تقريبًا، ألعلّه يريد مالًا؟! لا يتصل عليك شخص من الماضي هذه الأيام إلا إن أراد نقودًا، تبًّا لهذا العصر المادي الذي أفسد العلاقات بين الناس، ولكن ماذا سيرد عليه لو طلب منه ذلك؟!
مهلًا ولماذا يفكر ويستبق الأحداث ويسيء الظن، يجب أن يحسن الظن في الآخرين كما تعلّم في آخر دورة حضرها عن الارتقاء الروحي، آخذ نفسًا عميقًا وقبل الإتصال.
-نعم
-السلام عليكم، هل هذا رقم (محسن)؟!
-نعم يا (ماجد)، ما يزال رقمي كما هو، أسعدتني بإتصالك وأتمنى أن تكون بخير..
-أنا بخير يا صديقي العزيز، أنا في عجالة من أمري لأنني في الطريق إلى موعد ما، المهم، لن أطيل عليك، هل تذكر (موسى)؟! (موسى) صديق الطفولة الذي كان يلعب في مركز الحراسة، الفتى الضخم الذي كنا نتقي شره بإعطائه السندوتشات على ألا يتنمر علينا وأن يلعب معنا لنخيف به بقية الفرق، هل تذكره؟!
-وكيف أنساه؟! ياه، يالها من ذكرى، مر على ذلك عشرون عامًا، ماذا عنه؟!
-لم أخبرك من قبل، (موسى) كان مسجونًا في تهمة قتل غير عمد، اصطدم بعائلة وهو مخمور قبل عشرة أعوام، لا أعتقد أن أحدًا منهم نجا من الحادث، اتصل علي قبل يومين وهو خارج من السجن ويريد مقابلتي، أخشى الذهاب وحيدًا، هل ترافقني؟!
-طبعًا، نحن بالغون وواعون ولا أظنه يشكل لنا تهديدًا بعد اليوم، لقد توقعت أن (الكارما) سترتد عليه يومًا ما نظير تنمره وسوء خلقه، أتدري أنني لجأت لطبيب نفسي بعدما عانيته منه يوم أضعت ضربة الجزاء في المباراة النهائية وخسرنا المكافأة ولامني على ذلك لأنه كان يريد شراء بعض الملذات والمسكرات بها، هناك ندوب على فخذي إلى اليوم من شفرة السكين التي كان يلوح بها على قدمي ليلة الهزيمة، سأذهب معك فقط لأذكره بأنني لن أسامحه..
-المعذرة يا (محسن)، شهدت الموقف معك وأعلم تمامًا ما تشعر به، أنا وصلت لموعدي، سأرسل لك رقمه لتتواصل معه وتحدد معه موعد ومكان اللقاء، ووافني بالتفاصيل، اجتماعي لن يزيد عن نصف ساعة..

إقرأ المزيد

وداع

ما زلت أذكر كل شيء يا أبي، صباح السبت وهم يحضّرون الجثة ليمارسوا عليها طقوسًا لا أفهمها، سمعت أمي تخبر أخوتي بأن ذلك من أجل الدفن، كان وجهها جامدًا لسبب لم أعرفه، ربما صدمة الرحيل، ربما الوداع الأخير، ربما اختنقت مشاعرها وانزوت، لكنها يا أبي كانت صامدة..

وددت أن أنظر إليك يا أبي لكنني لم أستطع، هناك حزن يأكل الحاضرين لكنني لا أشعر مثلهم، الجمود يعتريني، لا أجيد لغة الوداع، لم يتبق مني سوى جسدي المسجى أمامكم، وذكريات تسكنكم، علي أن أنصرف الآن مع مرافقي، كن بخير يا أبي واعتن بأمي وأخوتي، أراكم في الجهة الأخرى من الحياة..

الساحرة التي أحبتني

كانت ساحرة..

تشربت فن الويكا، نهلت من علوم هرمس، غاصت في طقوس الفودو، أطلقت عنان قوى الطبيعة الأربعة واتحدت مع الأثير، تلك القوة الخامسة التي تسري في عروق طاقة الكون كما الدم..

كانت قاهرة..

بتعويذاتها الرونية تلقي بالشياطين عند أقدامها، تزرع الرعب في قلوب أعدائها، تلهم كهنة الدرويد وأحبار القابالاة وكل شامان يحبو يتلمس خطاه في بلاط السحر، وتئدُ كل سلطان اعتقد أن جيوشه تكفي للقضاء على كيان تحدى ليليث يومًا ما..

كانت مرعبة، مخيفة، مهيبة..

و..

في عيني..

رقيقة..

متماهية مع الطبيعة، منسجمة مع قوانينها ونواميسها، تغني للأشجار، تنام عند الجداول، تصافح الندى كل صباح، ترقص تحت المطر، تحادث الطيور والسناجب، تحمل اليراعات على كتفها فتضيء، تداوي البسطاء بأعشاب البراري، وتبتسم، فيذوب قلبي..

كانت شيطانة بأعين الكافرين بقدراتها، ولكنها ملاكي الحارس وتوأم روحي العتيق، فكرة رحيلها ترعبني، والحياة من دونها تخيفني، من دون ضوء مهيب من عينيها، يهدئ روعي..

في هذه اللحظة المنطفئة في أحراش الغابة، أنا بلا حول ولا قوة، مقيدٌ بين شجرتين، والناس من حولي يتهامسون رعبًا وفرحة وتشفّ، يشيرون إلى قرنين متصدعي أعلى رأسي، وإلى قدميّ اللتان تشبهان أقدام الماعز، يرونني مسخًا رجيمًا لا يحق له الحياة، وأنا أتغاضى عن همساتهم الجارحة وأرقب جاحظ العينين ساحرة قلبي هناك، في وسط نار مؤججة من قيح نفوسهم، بين اللهيب، تحترق في صمت، تترمد، تحمل الرياح بقاياها فتتلقطها الأغصان بأسى، وتعوي الذئاب كمدًا على فقدان قمرها، وكأن نجمة النهار تهاوت على رأس عزازيل، وكأن الأغنيات فقدت لحنها فتناثرت صرعى..

وأنا أسقط بداخلي كرمل متحرك، أنفاسي المتلاحقة تبحث عن عطرها، وعينيّ الداميتين تجولان علها ترى طيفها، منتظرًا الخلاص من عذابي لأرافقها لعالم آخر يجمعنا، وقلبي المفطور ينزف من سيف قسيسهم ولا يجف، وكأن دمي الأزرق قد تآمر علي معهم ليمنعني من اللحاق بها بعد أن قتلوا لحظة الوداع..

ألا تبًّا للبشر..

ألا تبًّا لكم..

عالقٌ بداخلي، أبحث عنك

رأيتك في حلمي، كنت تضحكين، توقفت الأحداث لوهلة، تجمدت الشخصيات والألوان وعلقت الأصوات في حنجرة الحلم، ذلك يعني أنك دخيلة على حلمي، ربما هاربة من حلم آخر أو كابوس، أردت أن أمد يدي إليك لأرحب بك لكن الحلم لم يسمح لي، شككت أن جاثومًا في غرفتي لا يريدني أن أستيقظ لسبب ما، حاولت ولكنك تسللت بخفة من باب انبثق في وسط حلمي، ثم عاد كل شيء إلى ما كان عليه، تحررت الشخصيات، عادت الألوان لمنازلها، هربت الأصوات من فم الحلم عدا صوتي الذي لم ينجو..

استيقظت في صمت، كان الجاثوم يرمقني بخوف، لم آبه له وابتلعت دواءً منومًا وعدت للحلم، متسلحًا بوجهك تنقلت من حلم إلى حلم، اقتحمت أحلامًا كثيرة لأشخاص لا أعرفهم، طفلة تناجي النجوم تبحث عن أمها الراحلة، شاب يبكي تحت ظل شجرة تقف في الهواء بلا جذور، ثعبان يتجول بين صديقات ويهمس لهن بقصص الحب، وشمس زرقاء باردة منعزلة تبحث عن ثقب أسود يخلصها من بؤسها، ولا أثر لك..

هذه الليلة السبعون وأنا في هذا المكان، تمردت عليّ الأحلام ولفظتني لفراغ خارجها، أرى من مكاني عالم الأحلام وعالم الأفكار وعالم الأمنيات وعالم الذكريات وعالمًا قاتمًا يشبه أفكار المكتئبين، وبينما جسدي ممدد في سريري، بجانبي جاثوم يبكي فراقي ويرقيني كل ليلة لعلّي أعود ويكمل مهمته، قد حكم علي بأن أقضي وقتي بين أبواب تشيح بوجهها عني، عالقًا بداخلي، أنتظر وجهك ليضع نجومًا في سمائي، كي أعرف الطريق، وأعود..

ماذا لو كنت ظلًا أفر من عتمتي إلى نورك كي أبقى

حانت ساعة رحيلي المرتقب، انتابني حماس طفل سيذهب للمدرسة لأول مرة، هذا أقرب وصف ممكن فأنا فعلًا أغادر عالمي للمرة الأولى، سأرافق إنسانًا في هذه الحياة، إن نجحت في هذه الرحلة فلعلي أرافق شجرة أو منارة مسجد أو حتى برجًا فولاذيًا، هذا أنسب لي من أن أرافق حيوانًا أو مركبة متحركة، من يدري؟!

عالمنا مظلم، لا أستطيع وصف شدة إظلامه، لكننا نرى بعضنا، نشعر ببعضنا، نتهادى الأمنيات ونستمع لقصص الأولين الذين رافقوا الأنبياء والحيتان وشهدوا قبح المعارك في سحنات المقاتلين مع ساعات النهار الأولى وعند اقتراب الغروب، لكن ما يشد أفئدتنا أكثر هو حكايا الحب تحت أنظار القمر وتبتلات العابدين على هدى شمعة..

يقولون أن لكل إنسان روح واحدة، ولكل روح تجربة واحدة ثم تعود لعالمها وتنتظر، تساءلت مرارًا عن كنه عالمهم، أخبرونا أنه في أصل شجرة، شجرة من نور، يأوون إليها زرافات ووحدانا ويتناجون بينهم، ربما مثلنا، يستمعون للأرواح الأولى وهي تسرد ذكرياتها، وروح وليدة تتحمس مثلي لأن تغادر، سترافق إنسانًا، ذات المهمة التي أحملها على عاتقي، لكنها كما علمت ستكون واعية، تفكر، تحب، تشعر، تتواجد في الضياء والعتمة، بعكسي أنا..

أنا القادم من عالم الظلال، جميعناً نتشابه، بلا ملامح، كائنات تتغذى على النور لتبقى، وتتلحف الظلام لتستريح، أنا الشاهد على مشاعر لا أفهمها، ومانح الفيء لمن طاردته شمس الظهيرة، والراحل الأخير عن رفيقي بعدما يدفن جسده وتغادر روحه، فأحمل أسرارًا معي غير قابلة للبوح وأعود لعالمي، ممنيًا نفسي بأن أعود ولو رفيقًا لغيمة..