ترنيمة البداية..

مرحباً.. أنا وليد..

كاتبٌ في هذا العصر ولعلكم تجدون هذا غريباً، لوهلة فكرت أن أسجل حديثي على مقطع مرئي كما يفعل المؤثرون، ثم فكرت مجدداً، لم لا أكتب ؟!

اعتبروها محاولة أخيرة لضخ الوعي في عقولكم..

هذا الأسلوب من الكتابة يسمى وجهة نظر الراوي أو المراقب أو السارد، حيث أن من يروي الأحداث قد يكون هو البطل أو العدو أو مجرد مراقب يدون الأحداث بتجرد من المشاعر، ربما مستقبلاً ستتعرفون بأنفسكم على أساليب أخرى للكتابة..

لا يهم ذلك الآن..

مضى خمسون عاماً على آخر كتاب نُشر، كنت يومها في بداية مراهقتي، مكتبة والدي الراحل كانت ملاذي الأجمل بعيداً عن ترهات المراهقة المعتادة، أعيش في عوالمها وأنفصل عن واقعي..

قررت أن أكتب يوماً ما قصة، أخذها والدي مني بهدوء وابتسم من دون أن يقرأها ورماها في المدفأة، وكأنه انتزع كبدي ووضعه في النار حتى نضج ثم أعاده مشوياً بداخلي، بقدر الألم الذي شعرت به حينها إلا أن شيئاً بداخلي تغير للأبد..

إقرأ المزيد

البيضة التي كانت فأساً..

قررت الشجرة أن تضع خليفة لها فتمخضت عن بيضة بلون ترابي مزيج من ألوان الخشب والطين والرماد، ألقت عليها سيقانها وجذورها ورعتها إلى أن فقست عن برعم صغير..

كبر البرعم في كنف أمه الشجرة، استطال واستغلظ، قرر أن يتحرر فسحب قدميه من وطنه وخطرت له الفكرة أن يطير، احتضن شجرته وجرى بأقصى ما يستطيع و..

طار..

نبت له جناحان..

صار فراشة..

بلون أخضر زاهي يشبه عين فاتنة سمراء..

إقرأ المزيد

لا تنم على قارعة الطريق..

ضرب بتشفٍ بقايا عظم سمكة على رصيف مجاور لحاوية النفايات، استمر في ضربها بنصف عصا وهو يضحك بسادية متخيلاً إياها القطة التي منحته ثلاث خطوطٍ دامية على ذراعه حينما لاطفها بالأمس، تناثرت عظام السمكة وكأنه بذلك يريد أن يحرم القطة منها في حال عودتها مرة اخرى، سبق وأن تسلق الحاوية ليرى إن كانت القطة تسكن بالداخل لكنه لم يرَ سوى أطنان الطعام من سحور البارحة، اشتهى أن يقفز بداخلها ويفتح الأكياس ولكن نظرة صارمة من أمه جعلته يتراجع ويقفز من على الحاوية على قدم واحدة فاستعان بالعصا المكسورة لتعينه في عرجته..

تململ في مكانه على الرصيف بجوار أمه يراقب أختيه تذهبان بين السيارات وتعودان بأوراق ثمينة لأمه التي تخبئ جزءاً منها بداخل صدرها والباقي تحفظه في منديل مهترئ ليأخذه لاحقاً الرجل ذو الشارب الضخم الذي يعيدهم للمنزل..

شعر بالنعاس فوجد (كرتونة) بجوار الحاوية، أخذها وفككها بصعوبة، انتهى الحال بها ممزقة كقلب عاشق، جمعها على الرصيف في أبعد نقطة عن الشمس، تمدد عليها وراقب السماء منتظراً منها أن تمطر بغزارة كي يعود ويلعب في الطين..

غفى فنهرته أمه وحذرته من النوم على قارعة الطريق فلديهم

منزل يعودون إليه..

(الصورة لعلي الجمعة)

بحثاً عن الإلهام

(1)

“وهذا اعترافي قبل أن أقتله، لعلكم تتفهمون موقفي”

كـُتبت هذه الجملة على صفحة بيضاء تحمل اسم الفندق، منذ أن واجه المؤلف الشهير (قفلة الكتابة writer’s block) وأصدقاؤه بنصحونه بهذا الفندق في مدينة (سانتوريني) الساحرة في اليونان.. إقرأ المزيد

روتين

استيقظت فجأة، وبحركة آلية توجهت إلى دورة المياه، وقفت تتأمل وجهها في المرآة، رفعت حاجبيها، تثاءبت، مطت شفتيها وزمتها، أغلقت عينيها ثم فتحتهما بأقصى اتساع، وضعت يدها على حافة الحوض واقتربت من المرآة، التصق أنفها بأنف انعكاسها، وبينما هي تبحث عن تجعيدة جديدة في بشرتها، استفزتها التقلصات العجيبة التي يتعمد الانعكاس صنعها في وجهها، تشعر وكأنه يسخر منها، وكأنه يقلدها، غضبت لوهلة، غسلت وجهها وجففته وفرشت أسنانها، عاد انعكاسها يقلص ملامحه باستخفاف، امتعضت واتسع بؤبؤ عينيها، تلك الحركات المجنونة التي يقوم بها الفرد حينما يعلم أنه غير مراقب..

هز انعكاسها كتفيه بلا مبالاة وأعطاها ظهره وتوجه إلى الباب وفتحه بينما هي تراقبه في حقد، عادت لسريرها بداخل عالم المرآة وهي تغمغم وتستنكر هذا الروتين الصباحي المعتاد..

لم يعد مجدداً وما زلت أنتظر

كنا جالسين عند البحر في بقعتنا البعيدة عن أنظار الصيادين، لم نتجاوز العشر سنوات حينها، قال لي والشغف يملؤ عينيه الزرقاوتين كما تفعل العينان حينما تكتشفان صديقاً أثيراً:

-لقد حكت لي جدتي عن رجل أشيب، يخرج من البحر قبل الفجر ويمضي إلى السوق ويقضى حاجته ثم يعود إلى البحر حالما ينتهي قبل شروق الشمس..

نظرت له في ملل وقلت له:

-وأين يضع قاربه يا ترى ؟! بالقرب من مرسى الصيادين..

-لا لا، أقصد يخرج من البحر، من عمقه، بلا قارب..

استنكرت ذلك، رددت عليه باستخفاف:

-يخرج من منتصف الماء، ستقول لي الآن أنه يخرج بلا بلل..

-نعم نعم، كشَعَري الآن، جاف ومالح..

-ستقول لي الآن أنك شاهدته أيضاً، أليس كذلك ؟!

-في الحقيقة، أجل، رأيته مراراً، خفت ألا تصدقني فقلت لك أن جدتي أخبرتني بذلك..

-وهذا يعني أن جدتك لم تخبرك وأنك تكذب علي..

-لا لا، هي لم تقل لي، لكني لا أكذب بل رأيته معها..

أزحت يده من على كتفي، لا أصادق الكاذبين، دفعته بعيداً، بكى بدموع يبدو لي بأنها أشد ملوحة من البحر

هرب إلى البحر، ولم يعد مجدداً..

ها أنا ذا عند ذات البقعة قبيل الفجر

مرّ ثلاثون عاماً

أترقب رجلاً أشيباً يخرج من البحر

فأسأله عن طفل له عينين زرقاوتين

يريد صديقاً أثيراً..

ستة

(1)

تنهد طويلاً، تنهيدة الراحة بعد عناء العمل، لا شيء يسليه في غربته كما خرائط السناب تشات ليرى ما يدور في المدينة التي يقطنها، رغم غربته فلم يجرؤ يوماً على الاحتكاك بأهلها رغم روحهم الاجتماعية المشهود لها..

طبق مكسرات فاخر، مشروبان للطاقة، إضاءة نيونية خافتة، موسيقى كلاسيكية، معسل، هذه الخلفية التي كان يعتمدها مع سنابه الخاص كل ليلة، لكن لا توجد مشاهدات ولا إضافات، ولم ييأس بل استمر في روتينه اليومي، يصور الحدث، يرسله في القصة العامة، يتابع آخر الأحداث ومع كل حدث سعيد هناك دبوس يغرز نفسه في جسده كدمية فودو ليذكره بعزلته..

ثم شاهد في نهاية الليلة ذلك المقطع القصير، يد رقيقة ترسم الرقم 6 بشكل فانتازي مبهر، تضيف له الرمل والزجاج والطلاء الأحمر القاني، وموسيقى ميتال صاخبة وأضواء تذكره بالتنويم المغناطيسي..

إقرأ المزيد

الشاهد الذي رأى كل شيء ..

(1)

وقفوا جميعاً أمام الضابط المسترخي على كرسيه الوثير، وبنظرة جانبية إلى الشرطي أوعز له بسرد ما حدث، اخبره الشرطي بأن اشتباكاً حدث بين المراهق الذي يقف أمامه ورجل المرور والبقية هم شهود على ما صار..

تجاوز الوقت منتصف الليل واقترب من الفجر، أخذ الضابط سيجارة من النوع الردئ الذي لا يستسيغه لكونه يريد إجبار نفسه على الإقلاع عن التدخين، أخذ نفساً عميقاً فاحترقت رئتاه وتغضن وجهه وكأنه استنشق الجحيم، أخرج الأنفاس متلاحقة مكتومة كسيارة ميكانيكي مهترئة، أشار بيدٍ إلى المراهق ليتحدث بينما وضع يده الأخرى التي تمسك السيجارة على فمه ليمنع رئتيه من الهروب..

وقف المراهق معتداً بذاته، بشعره الناعم بخصلاته الذهبية والزرقاء وبوقفة تحسدها عليه أجمل الجميلات، أشار بيده إلى رجل المرور وقال:

-سأحكي لك ما حصل..

إقرأ المزيد

مخاوف

حدثني عن أسوأ مخاوفك..

أن تستيقظ في قبر مظلم وكفنك أحكم ربطه شاب متحمس يبتغي الأجر..

أن تهيم في الفضاء لا تستطيع حركةً أو ثباتاً وأنت تراقب الشهب الساقطة أملاً في أن يحملك أحدها عائداً إلى الأرض مالم تحترق أولاً..

أن تفقد وعيك في مسبح بينما يظن الآخرون أنك تمارس الاسترخاء..

أن تنام وتستيقظ على كائن جاثم على صدرك وعقلك يحاول إقناعك بلا جدوى أنك تتوهم من تأثير شلل النوم..

حدثني أكثر عما يرعبك..

عن الليلة التي تحديت أصدقائك بأنك ستمكث ليلة في بيت مهجور ولم تعد بعدها..

عن الذئب الذي اقتضم نصف عنقك وأنت تراقبه بنصف وعي ينهش جسدك ودمك يتدفق كنافورة ساخنة..

عن اللحظة التي طارت فيها سيارتك بسرعة تفوق قطاراً بخارياً وبتجاوز خاطئ منك رأيت شريط حياتك يمر أمامك وتحاول إمساكه وإمساك المقود وإمساك أي أمل يجعلك تتشبث بالحياة ولم تنجح محاولاتك..

وعن اللحظة التي تجمد فيها تفكيرك وأنت تشاهد الأرض أمامك بينما تسقط من علو شاهق وتنتظر بيأس اللحظة التي سترتطم بها فتتناثر أشلائك وتسحق عظامك..

أريد المزيد منك..

حينما كنت مقيداً عارياً على كرسي تراقب عصابة حرب تغتصب محارمك أمامك وترى في ذلك انتصاراً لقضيتهم..

أو محتجزاً في مصعدٍ في مبنى محترق..

أو متوسلاً فرصتك الأخيرة لإنقاذ جهد أعوام الدراسة عند أكاديمي يتجاهل حديثك ويفكر في رسالة من طالبة بالأمس تريد أن تنفذ له رغباته مقابل الدرجة الكاملة..

ماذا عن ..

وقوفك خارج منزلك خالي الوفاض في منتصف أزمة غذاء بعدما قاتلت لآخر رمق لأخذ أي شيء يؤكل من المتجر لاطفالك ولكن لأنك بدون سلاح تم إرهابك وتهديدك..

أو اليوم الذي سقطت فيه في بئر وتكالبت عليك العناكب والحيّات والعقارب إلى أن صار جسمك مصفاة من لدغاتهم..

ولحظة الموت التي باغتتك وتمنيت حينها أنك كنت شجرة أو صخرة ولم تكرس حياتك لإنكار وجود الخالق ..

حدثني ولن أوقفك..

استطرد في الحديث وأطلق الفرمونات العذبة من مسام جلدك..

فأنا – إن لم تكن تعلم – أتغذى على مخاوفك وأتنفس كوابيسك..