بقايا وصية

في جولته المسائية لتفقد القرية، وخلفه كاتب الديوان يريد اللحاق بالضوء الأخير لأنه يعاني من العشى الليلى، وقف (عميد القرية) عند أحد المنازل متفحصاً..

-تعال يا بني، انظر هنا، أترى اللون الداكن في ثنايا باب المنزل، هذا من آثار الطرق باليد، سنجعلهم يطرقون بالفأس عوضاً عن ذلك، كل صاحب منزل لا بد أن يعلق فأساً صغيرة أعلى الباب ليتم لطرق بها..

سجل الكاتب ذلك..

-وهنا، أترى وهج الفانوس، هذا زيت الحوت، هذا هدر لمواردنا، سنجعلهم يستخدمون دهن الغزلان فما أكثرها في وادينا، اكتب وسنعطيهم تعميماً بذلك..

-وهناك، رائحة الشواء تبدو شهية، هذا سيثير الفقراء، يمنع الطهي بعد المغيب..

-وهنا، طفلٌ يقف متسخ الملابس، هذا إهمال من والده..

قاطعه الكاتب:

-هذا يتيم يا سيدي، أمه تعمل في دارك، وهو يقف عند الباب ينتظرها مع أخته كل ليلة..

-وإن كان، هذا لا يليق، اكتب:

وقوف الطفل عارياً أهون من وقوفه بملابس متسخة تجذب الطالع السيء والشياطين..

لقد حان المغيب، سنعود ولا تنس أن تعمم ما قلت على أهل القرية..

علق كاتب الديوان التعليمات على دار (العميد) الذي ينتصف القرية، وبأعلاه عنوان (وصية)..

فارق (العميد) والكاتب الحياة تلك الليلة احتراقاً جراء سقوط الفانوس المشبع بدهن الغزلان..

ظن الناس أن الورقة التي احترق معظمها هي وصية (العميد) الأخيرة..

مرت قرون، قد خلت الأودية من الغزلان، يبيت الناس جوعى إلى انفلاق الصبح، والأطفال يقفون كل مساء بلا ملابس عند الأبواب وأعلاهم فأسٌ صغير..

لم يعد مجدداً وما زلت أنتظر

كنا جالسين عند البحر في بقعتنا البعيدة عن أنظار الصيادين، لم نتجاوز العشر سنوات حينها، قال لي والشغف يملؤ عينيه الزرقاوتين كما تفعل العينان حينما تكتشفان صديقاً أثيراً:

-لقد حكت لي جدتي عن رجل أشيب، يخرج من البحر قبل الفجر ويمضي إلى السوق ويقضى حاجته ثم يعود إلى البحر حالما ينتهي قبل شروق الشمس..

نظرت له في ملل وقلت له:

-وأين يضع قاربه يا ترى ؟! بالقرب من مرسى الصيادين..

-لا لا، أقصد يخرج من البحر، من عمقه، بلا قارب..

استنكرت ذلك، رددت عليه باستخفاف:

-يخرج من منتصف الماء، ستقول لي الآن أنه يخرج بلا بلل..

-نعم نعم، كشَعَري الآن، جاف ومالح..

-ستقول لي الآن أنك شاهدته أيضاً، أليس كذلك ؟!

-في الحقيقة، أجل، رأيته مراراً، خفت ألا تصدقني فقلت لك أن جدتي أخبرتني بذلك..

-وهذا يعني أن جدتك لم تخبرك وأنك تكذب علي..

-لا لا، هي لم تقل لي، لكني لا أكذب بل رأيته معها..

أزحت يده من على كتفي، لا أصادق الكاذبين، دفعته بعيداً، بكى بدموع يبدو لي بأنها أشد ملوحة من البحر

هرب إلى البحر، ولم يعد مجدداً..

ها أنا ذا عند ذات البقعة قبيل الفجر

مرّ ثلاثون عاماً

أترقب رجلاً أشيباً يخرج من البحر

فأسأله عن طفل له عينين زرقاوتين

يريد صديقاً أثيراً..

لعله هو يعاني مني

-أخبرني بالتفصيل، بماذا تشعر ؟!

-هل تخيلت سرطاناً ينهش جسدك، وحيداً في غرفة متهالكة، في بلدة نائية، في ديار حرب، إن لم تمت من السرطان، قتلت بصاروخ طائش، أطلقه مراهق يريد استعراض رجولته،

وإن لم تهلك من الوحدة، قضى عليك الجوع..

تسمع أصواتاً بالخارج فتقوم لترى من بالباب، جنودٌ يريدون غرفتك للاختباء، فترتجيهم بأن يتصدقوا عليك بطلقة واحدة بين عينيك تنهي ألمك..

هكذا أشعر ..

ككلب أجرب، في منتصف بقعة رملية تغص بالنمل الذي يتلذذ بتقرحات جلده، في منتصف وادٍ باغته سيل عرمرم يحمل الأحذية والقذارات والقطط النافقة في طريقه، تلاحقه نظرات المارة والمراقبين بين أسىً واشمئزاز، ينتظرون اللحظة التي سيصفعه فيها السيل فيقضي نحبه، هذا إن لم يفترسه النمل أولاً..

وكأنني مرآة مكسورة، تحملها عجوز غَرَب حُسنها، تطالعها بعين بيضاء كزبد البحر، ترتعب المرآة فتتشظى، ومع كل شظية قطرة دم مسمومة لا يرتجى منها حياة..

-هل هناك مشكلة بعينها تؤرقك ؟!

-لا.. قليل من هنا وهناك.. لا شيء محدد..

-أظن أنك تعاني من اكتئاب حاد، نقص في ثقتك بنفسك، تشعر بأنك لست كافياً مهما فعلت، هل أنا أقترب مما يدور في بالك ؟!

-لا أعلم يا دكتور، لعل الاكتئاب ذاته يعاني مني ..

لو استطاعت نفثها بعيداً كما الدخان

استغرقت نفثتها الأخيرة طويلاً وهي تراقب الدخان الأبيض المتموج يملؤ الأفق الماثل أمامها، كان بؤبؤا عيناها يتراقصان في جذل وهما يراقبان المعارك المحتدمة التي يرسمها الدخان الكثيف في صورٍ متداخلة تذكرها بأشكال السحب في منتصف ظهيرة شتوية..

هي لا تحب رائحة (المعسل) الذي اعتادت على مقارعته مع صديقاتها حين يهربن خلسة من محاضرات الكلية ويتحملن من أجله مضايقات لا حد لها من ذباب الطرقات، ولا تحب رائحة (السيجارة الالكترونية) التي أهدتها لها صديقتها في عيد ميلادها والتي تذكرها رائحتها بمنزل بعد الترميم أسرف أصحابه في استخدام معطر الجو حتى نفذ الأكسجين بجلده من الغرفة كي لا يختنق، ولا تحب حتى رائحة (سيجارة النعناع) التي لا تختلف إلا بالدخان الأبيض عن أي مشتق لاذع يحتوي النعناع كاللبان وغسول الفم..

كل ما تنتظره من طقوس التدخين اليومية هو مشاهدة (الدخان) الأبيض يتموج وكأنه يحكي قصة حياتها شديدة التعقيد فهي تدرس تخصصاً لا تريده وقد وافقت عليه فقط كي تقدم يومياً إلى المدينة هرباً من واقعها فوالدها معلم على وشك التقاعد وأمها هي زوجته الثالثة وأخوها الأكبر الذي يعمل معلماً أيضاً يريد تزويجها من صديقه القاضي بينما أختها من زوجة أبيها الثانية تريدها لشقيق زوجها وأخوها الأصغر يتنمر عليها ويتجسس على هاتفها ليرى من تحادث وماذا تنشر في مواقع التواصل وكونها وحيدة أمها جعلها تتمسك باستقلاليتها والتي تهددها بالمقابل صديقتها التي تعلقت بها لدرجة كبيرة وكأنها …، شخصيات وصراعات وتعقيدات وقصص تراها أمامها تتداخل مع الدخان الابيض الكثيف الذي لم تأبه يوماً برأي المجتمع والعادات والتقاليد فيه..

كل ما تتمنى يوماً لو أنها نفثت حياتها بتعقيداتها بعيداً كما تنفث الدخان، أخذت نفساً أخيراً وعميقاً وأطلقته في هدوء وهي تتخيل الموقف..

ستة

(1)

تنهد طويلاً، تنهيدة الراحة بعد عناء العمل، لا شيء يسليه في غربته كما خرائط السناب تشات ليرى ما يدور في المدينة التي يقطنها، رغم غربته فلم يجرؤ يوماً على الاحتكاك بأهلها رغم روحهم الاجتماعية المشهود لها..

طبق مكسرات فاخر، مشروبان للطاقة، إضاءة نيونية خافتة، موسيقى كلاسيكية، معسل، هذه الخلفية التي كان يعتمدها مع سنابه الخاص كل ليلة، لكن لا توجد مشاهدات ولا إضافات، ولم ييأس بل استمر في روتينه اليومي، يصور الحدث، يرسله في القصة العامة، يتابع آخر الأحداث ومع كل حدث سعيد هناك دبوس يغرز نفسه في جسده كدمية فودو ليذكره بعزلته..

ثم شاهد في نهاية الليلة ذلك المقطع القصير، يد رقيقة ترسم الرقم 6 بشكل فانتازي مبهر، تضيف له الرمل والزجاج والطلاء الأحمر القاني، وموسيقى ميتال صاخبة وأضواء تذكره بالتنويم المغناطيسي..

إقرأ المزيد

الشاهد الذي رأى كل شيء ..

(1)

وقفوا جميعاً أمام الضابط المسترخي على كرسيه الوثير، وبنظرة جانبية إلى الشرطي أوعز له بسرد ما حدث، اخبره الشرطي بأن اشتباكاً حدث بين المراهق الذي يقف أمامه ورجل المرور والبقية هم شهود على ما صار..

تجاوز الوقت منتصف الليل واقترب من الفجر، أخذ الضابط سيجارة من النوع الردئ الذي لا يستسيغه لكونه يريد إجبار نفسه على الإقلاع عن التدخين، أخذ نفساً عميقاً فاحترقت رئتاه وتغضن وجهه وكأنه استنشق الجحيم، أخرج الأنفاس متلاحقة مكتومة كسيارة ميكانيكي مهترئة، أشار بيدٍ إلى المراهق ليتحدث بينما وضع يده الأخرى التي تمسك السيجارة على فمه ليمنع رئتيه من الهروب..

وقف المراهق معتداً بذاته، بشعره الناعم بخصلاته الذهبية والزرقاء وبوقفة تحسدها عليه أجمل الجميلات، أشار بيده إلى رجل المرور وقال:

-سأحكي لك ما حصل..

إقرأ المزيد

مخاوف

حدثني عن أسوأ مخاوفك..

أن تستيقظ في قبر مظلم وكفنك أحكم ربطه شاب متحمس يبتغي الأجر..

أن تهيم في الفضاء لا تستطيع حركةً أو ثباتاً وأنت تراقب الشهب الساقطة أملاً في أن يحملك أحدها عائداً إلى الأرض مالم تحترق أولاً..

أن تفقد وعيك في مسبح بينما يظن الآخرون أنك تمارس الاسترخاء..

أن تنام وتستيقظ على كائن جاثم على صدرك وعقلك يحاول إقناعك بلا جدوى أنك تتوهم من تأثير شلل النوم..

حدثني أكثر عما يرعبك..

عن الليلة التي تحديت أصدقائك بأنك ستمكث ليلة في بيت مهجور ولم تعد بعدها..

عن الذئب الذي اقتضم نصف عنقك وأنت تراقبه بنصف وعي ينهش جسدك ودمك يتدفق كنافورة ساخنة..

عن اللحظة التي طارت فيها سيارتك بسرعة تفوق قطاراً بخارياً وبتجاوز خاطئ منك رأيت شريط حياتك يمر أمامك وتحاول إمساكه وإمساك المقود وإمساك أي أمل يجعلك تتشبث بالحياة ولم تنجح محاولاتك..

وعن اللحظة التي تجمد فيها تفكيرك وأنت تشاهد الأرض أمامك بينما تسقط من علو شاهق وتنتظر بيأس اللحظة التي سترتطم بها فتتناثر أشلائك وتسحق عظامك..

أريد المزيد منك..

حينما كنت مقيداً عارياً على كرسي تراقب عصابة حرب تغتصب محارمك أمامك وترى في ذلك انتصاراً لقضيتهم..

أو محتجزاً في مصعدٍ في مبنى محترق..

أو متوسلاً فرصتك الأخيرة لإنقاذ جهد أعوام الدراسة عند أكاديمي يتجاهل حديثك ويفكر في رسالة من طالبة بالأمس تريد أن تنفذ له رغباته مقابل الدرجة الكاملة..

ماذا عن ..

وقوفك خارج منزلك خالي الوفاض في منتصف أزمة غذاء بعدما قاتلت لآخر رمق لأخذ أي شيء يؤكل من المتجر لاطفالك ولكن لأنك بدون سلاح تم إرهابك وتهديدك..

أو اليوم الذي سقطت فيه في بئر وتكالبت عليك العناكب والحيّات والعقارب إلى أن صار جسمك مصفاة من لدغاتهم..

ولحظة الموت التي باغتتك وتمنيت حينها أنك كنت شجرة أو صخرة ولم تكرس حياتك لإنكار وجود الخالق ..

حدثني ولن أوقفك..

استطرد في الحديث وأطلق الفرمونات العذبة من مسام جلدك..

فأنا – إن لم تكن تعلم – أتغذى على مخاوفك وأتنفس كوابيسك..

انقراض …

(1)

– وهكذا بحسبة بسيطة.. عددنا يناهز ال 10 مليار وفي تزايد، الحروب الأخيرة لوثت الهواء بالإشعاعات، الموارد تتناقص باضطراد، الممالك ممزقة والدول مبعثرة، إن لم نتحين هذه الفرصة الأخيرة ونستغلها فلن ننجو، قد تنجو الأرض لكنها ستحتاج إلى 20-50 ألف سنة لتشفى من هذه الكارثة..

-وماذا تقترح إذأ ؟

-السبيل الوحيد هو أن ننقرض، سنختار الصفوة لنبدأ بهم الحضارة من جديد، لنقل في حدود ال500 ألف نسمة، سنعيش في ملاجئ تحت الأرض إلى أن تستعيد الأرض عافيتها..

-وكيف نمسح البقية من على وجه البسيطة؟

نطلق الأسلحة النووية مثلاً ..

-لدي اقتراح أفضل ..

أدلى عضو المجلس باقتراحه وتمت الموافقة بالإجماع ..

إقرأ المزيد

البعد السابع (تشويقة 4)

تشويقة من روايتي المقبلة (البعد السابع)

****

ازددت حيرة، كل ما يتحدث به يقربني من الحقيقة أكثر، بدأت أرى الروابط الخفية التي توضح لي الصورة، لكنني عاجز عن التعبير عنها بشكل لا يوحي لمن يسمعني بأنني فقدت عقلي، هممت بسؤاله عن طريقة للتبسيط، تحويل الأفكار والصور في رأسي إلى أحرف، هزّ رأسه موافقاً رغم أنني لم أسأله بعد:

-أعلم ماذا يدور في رأسك ؟! كيف رأيت الحقيقة وكيف تري ذلك للناس ؟! أليس كذلك ؟!

هالتني قدرته على رؤية الاسئلة وهي تحوم حولي تبحث عن إجابة لتحط رحالها فيها، قررت الاستيضاح منه لاحقاً عن قدرته هذه وانتظرت توضيحه لمعنى الحقيقة..

إقرأ المزيد

صدمة

كان مجلس العزاء مكتظاً بالمواساة، أحاديث جانبية عن كل شيء تقريباً عدا الفقيدة، ربما تمحورت معظمها عنه، ينظرون إليه بعين الشفقة وهو منعزلٌ ساهمٌ يحدق في الفراغ أمامه وأخوته يبادرون بالاعتذار للمعزين عن وضعه وبأن صدمة موت أمه هي من جعلته بهذا الحال..

خيوط من النور امتطتها فراشات زرقاء تبتسم له وتدعوه للعب معها، أوراق شجر حمراء وخضراء متوهجة تتطاير حول النور فتتحاشاها الفراشات بخفة، يحاول أن يلمسها لكن الصداع الشديد يعيده مجدداً لمجلس العزاء حيث لا يعلم لماذا تأخرت أمه في إعداد وجبته المفضلة..

زاد تهامسهم حوله، أحدهم يجزم بأن الصدمة أفقدته عقله، الآخر يصمم بأن لا، بل هو يعاني من التوحد، ثالث يتذكر طفولته الشقية وتأتأته ويخبرهم بأنها أعراض فرط حركة وأن الأدوية التي يتناولها جعلت عقله هكذا مغيّباً، رابعهم يردد إنّا لله وإنّا إليه راجعون، من سيرعاه بعد أمه..

تداخلت أطياف حالكة السواد تبدد خيوط النور، الفراشات ارتعدت هلعاً ورفرفت بأجنحتها بعيداً، الأوراق تحللت بعدما تشبعت سواداً، عناكب تغزل خيوطها كما يغزل نساج كفن الرحلة إلى العالم الآخر، تدنو منه العناكب وتشير إليه بأرجلها المدببة تريد الاقتراب أكثر، يهشها ويغمض عينيه براحتيه المرتعشتين..

لا بد أن الكهرباء في عقله اشتدت عليه، قالها أحدهم، وأكّد الآخر أنه فقط حزين ويريد البكاء لكنه لا يستطيع، ثالثهم يرى أنه يحتاج إلى دخول المصحة كي لا يتفاقم الأمر أكثر، يقوم ويتبرع بإخبار أخوته، الرابع يتحسر ويترحم على يُتمه..

أطلق صرخة عميقة، صرخة كأنها خرجت من رحم الحياة، أرعبت المجلس وأربكت نظامه، توقفوا عن استقبال المعزين وترددت خطواتهم بين اقتراب لمواساته ليكف عن الصراخ وترقب لردة فعل جنونية قد تصبح مادة دسمة للحديث عنها في مجلسٍ آخر..

همد فجأة، ألقى برأسه على صدره وكأنما انقطع آخر حبل في وعيه، اقترب أخوته منه في وجل، حاولوا إيقاظه، حاولوا إنعاشه، حاولوا حثه على العودة..

كان ينظر إليهم في شرود، من أعلى، وهو ممسكٌ بيد أمه..